مقالات

بين الحزب والدولة: متى يصبح التنظيم السياسي جسراً للتعددية ومتى يتحول إلى أداة للهيمنة؟

بين الحزب والدولة: متى يصبح التنظيم السياسي جسراً للتعددية ومتى يتحول إلى أداة للهيمنة؟

في مراحل التحولات الكبرى، تسعى السلطات الجديدة عادةً إلى إنشاء إطار سياسي منظم يوحد صفوفها ويعكس رؤيتها الوطنية، وغالباً ما تتجلى هذه المساعي في تأسيس حزب قريب من السلطة يُقدَّم كأداة سياسية للمرحلة المقبلة. غير أن جوهر المسألة لا يكمن في إنشاء الحزب بحد ذاته، بل في توقيت ولادته وطبيعة علاقته بالسلطة، وهل سيكون وسيلة لتنظيم المشاركة السياسية أم أداة لإعادة إنتاج الولاء.

 

التجارب التاريخية تظهر أن تأسيس حزب قبل ترسيخ الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية يؤدي غالباً إلى تحوله إلى وسيلة للسيطرة لا للمشاركة، حتى وإن تبنّى خطاباً إصلاحياً. فعندما تغيب القواعد الواضحة للمنافسة والمؤسسات التي تفصل بين الحزب والدولة، يصبح الانتماء للحزب وسيلة للوصول إلى النفوذ والمصالح، لا للتعبير عن الأفكار. في هذه الحالة، يجذب الحزب الانتهازيين والوجوه الإدارية القديمة ورجال الأعمال الباحثين عن النفوذ، لتذوب تدريجياً الحدود بينه وبين الحكومة، فيفقد دوره كقوة سياسية مستقلة. أما إذا أتى تأسيسه بعد ترسيخ التعددية وضمان المنافسة، فيمكن أن يشكل خطوة بنّاءة نحو الاستقرار السياسي وتنظيم العمل العام.

 

رغم ذلك، لا تخلو الصورة من الجوانب الإيجابية. ففي بعض السياقات، قد يكون تأسيس حزب قريب من السلطة خطوة ضرورية لبناء حياة سياسية جديدة أو توحيد الرؤية الاقتصادية والاجتماعية للدولة الناشئة. حينها يمكن للحزب أن يؤدي دور الجسر بين القيادة والمجتمع، وأن يسهم في صياغة هوية سياسية جامعة، بشرط أن يُدار بأسلوب ديمقراطي ويقبل بالتعددية والمنافسة.

 

ويبرز مثال حزب البعث العربي الاشتراكي في التاريخ العربي، الذي تأسس في الأصل كمشروع فكري قومي يدعو إلى الوحدة والحرية والاشتراكية، لكنه تحول بعد وصوله إلى السلطة في سوريا عام 1963 والعراق عام 1968 إلى جهاز سلطوي ارتبط ببنية الدولة والأمن، ما أدى إلى إلغاء التعددية واحتكار الدولة، وفقد الحزب معناه السياسي والاجتماعي الأصلي.

 

في المقابل، تبرز تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، الذي تأسس عام 2001 ضمن بيئة سياسية تعددية ودستورية. دخل الحزب الانتخابات عام 2002 وفاز بأغلبية أهلته للحكم، مستنداً إلى شرعية انتخابية وبرنامج إصلاحي جمع بين المحافظة والانفتاح الاقتصادي. وقد تمكن في بداياته من تعزيز الاستقرار والنمو، قبل أن يثير لاحقاً نقاشاً حول توازن العلاقة بين الحزب والدولة.

 

انطلاقاً من هذه النماذج، يمكن فهم ما يُتداول عن سعي الرئيس السوري أحمد الشرع إلى استلهام نموذج مشابه، عبر تأسيس حزب جديد قريب من السلطة من دون أن يحتكرها. الفكرة تقوم على إنشاء إطار سياسي منظم يدمج قوى المجتمع في مشروع وطني جامع، ويساعد في إدارة التعدد السياسي بدلاً من إلغائه. لكن نجاح هذه الخطوة يتوقف على عاملين أساسيين: توفر بيئة دستورية تضمن الحريات والانتخابات الحرة، وتحديد طبيعة العلاقة بين الحزب والسلطة، بحيث يكون جزءاً من التعددية لا بديلاً عنها.

 

تجارب أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية تقدم دروساً مهمة في هذا السياق. ففي ألمانيا، وُضع القانون الأساسي عام 1949 قبل تأسيس الأحزاب الكبرى، ما ضمن حماية التعددية السياسية. وفي بولندا بعد سقوط الشيوعية، سُنّت الدساتير وقوانين حرية الأحزاب والإعلام قبل ظهور التشكيلات الجديدة، فبرزت كيانات مستقلة أرست مبدأ التداول السلمي للسلطة.

 

في المحصلة، لا يُعد تأسيس حزب قريب من السلطة خطأً بحد ذاته، لكنه يصبح خطيراً عندما يُبنى قبل قيام الدولة أو يُطرح بديلاً عن التعددية. الحزب الناجح هو الذي ينشأ داخل النظام السياسي لا فوقه، ويمثل المجتمع أمام السلطة لا العكس. ولتحقيق معادلة الاستقرار السياسي في المراحل الانتقالية، ينبغي بناء السياسة أولاً، ثم الحزب بعدها، لا العكس.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce