اقليمي

غياب السياسة في سوريا: واقع استثنائي يعيد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة

غياب السياسة في سوريا: واقع استثنائي يعيد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة

يبدو أن المشهد السوري يعيش فراغاً سياسياً شاملاً، إذ لا تملك المعارضة مشروعاً سياسياً واضحاً، فيما تعجز السلطة بدورها عن طرح رؤية بديلة. فالبلاد اليوم لا تشهد صراعاً سياسياً بين قوى تتنافس على برامج أو رؤى وطنية، بقدر ما تعيش حالة من الاستثناء الطويل الذي يكرّس غياب السياسة نفسها.

فالسلطة الحالية التي تصف نفسها بـ”الانتقالية” لا تمتلك آليات تحدد نهايتها، ولا مؤشرات على نيتها إجراء انتخابات حقيقية تتيح حياة سياسية تمثّل السوريين. والأخطر أن جزءاً كبيراً من مؤيديها يتعامل معها كسلطة دائمة، لا كمرحلة مؤقتة، في ظل اقتصاد متداعٍ لا يوفّر قاعدة صلبة لنشوء حياة سياسية أو طبقات اجتماعية قادرة على التأثير فيها.

 

المشهد الاقتصادي، القائم على الخصخصة غير المنظمة والمحسوبيات، يفاقم هشاشة البنية الاجتماعية، في غياب قوى إنتاجية أو فئات وسطى يمكن أن تكون رافعة لعمل سياسي حقيقي. أما من الناحية الأمنية، فإن الانقسام الطائفي العميق يجعل كل مكوّن منغلقاً على نفسه، في بيئة يسودها الخوف والاحتقان، ما يجعل أي نشاط وطني جامع شبه مستحيل.

 

ولا تتعلق الأزمة السورية الراهنة فقط بالطائفية أو الإرث الأمني، بل بانعدام الأسس التي تتيح قيام اجتماع سياسي جديد قائم على الشراكة والاعتراف المتبادل. فغياب دولة القانون يحول دون بناء هوية وطنية جامعة، فيما تستمر عسكرة الحياة العامة كالقوة المنظمة الوحيدة، تلوّح بالفوضى كلما تعرّض نفوذها للاهتزاز، وتمنع في الوقت نفسه قيام أي بديل مدني.

 

الانقسام الأخلاقي يزيد الصورة تعقيداً، إذ يتوزع السوريون بين مَن يبرر جرائم النظام السابق، ومَن يغضّ النظر عن الانتهاكات الحالية، ما يجعل العدالة الانتقالية مؤجلة إلى أجل غير معلوم. كذلك، فإن الخلاف حول الحريات العامة وحقوق الأفراد يعرقل فكرة الدولة التي كان يفترض أن تنبثق من المرحلة الانتقالية، لتتحول الأخيرة إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة بدل التمهيد لحياة ديمقراطية.

 

لقد انطلقت الثورة السورية في عام 2011 لاستعادة الحق في السياسة، غير أن الواقع اليوم يكشف ابتعاد البلاد عن هذا الهدف. فلا توجد إرادة فعلية لجعل السياسة ممكنة، ولا ظروف موضوعية تسمح بممارستها. وهكذا، تبقى سوريا عالقة في حلقة مفرغة، بين سلطة تمارس الاستثناء باسم الاستقرار، ومعارضة عاجزة عن إنتاج بديل، في وقت يتراجع فيه الأمل ببناء دولة القانون التي حلم بها السوريون.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce