
الاغتراب يصطدم بعقدة الستة مقاعد… جدل قانون الانتخاب يضع الاستحقاق على خطّ التأجيل
الاغتراب يصطدم بعقدة الستة مقاعد… جدل قانون الانتخاب يضع الاستحقاق على خطّ التأجيل
قبل سبعة أشهر فقط من موعد الانتخابات النيابية في ربيع 2026، يقف لبنان أمام مأزق سياسي وقانوني يتمحور حول اقتراع اللبنانيين في الخارج. الخلاف هذه المرة لا يقتصر على التفاصيل الإجرائية أو التقنية، بل يتجاوزها إلى جوهر سياسي عميق بين فريقين: الأول، ممثَّل بـ«الثنائي الشيعي» و«التيار الوطني الحر»، يتمسّك باستحداث ستة مقاعد للمغتربين موزّعة مناصفة بين المسلمين والمسيحيين؛ والثاني، معارضة واسعة تطالب بأن يقترع المغتربون لـ128 نائباً انطلاقاً من أماكن إقامتهم ووفق قيودهم الأصلية في لوائح الشطب.
في الحالتين، لا مفرّ من تعديل القانون، غير أن الفرق بين الخيارين كبير: فالأول يعيد إنتاج الأزمة ويعمّقها، فيما الثاني يفتح الباب أمام تمثيل كامل للمغتربين ويمنح الاستحقاق الانتخابي بعداً وطنياً جامعاً. ومع ضغط المجتمع الدولي على إنجاز الانتخابات في موعدها، تبدو احتمالات التأجيل شبه مستحيلة إلا إذا فُرضت كأمر واقع.
الخلاف حول تمثيل المغتربين تحوّل إلى معركة صلاحيات بين رئاسة المجلس النيابي والحكومة. الرئيس نبيه بري دعا إلى تفعيل المادة 112 من القانون النافذ عبر مراسيم تنفيذية تكرّس المقاعد الستة، بينما اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أن تعديل هذا البند من اختصاص البرلمان حصراً، وأن أي مراسيم تنفيذية يجب أن تُستند إلى تشريع واضح. في المقابل، قدّم نواب من صفوف المعارضة اقتراحاً معجلاً مكرراً لإلغاء المادة المذكورة، بما يسمح باقتراع المنتشرين لكامل مقاعد المجلس.
رئيس الجمهورية جوزاف عون دخل على الخط برسالة واضحة إلى الداخل والخارج، معلناً تأييده لإشراك المنتشرين في القرار السياسي وحرصه على إجراء الانتخابات في موعدها «من دون أي تأجيل». الرئيس ذكّر بما قاله في نيويورك أمام الجالية اللبنانية بأن «أبناء الانتشار شركاء في القرار من خلال صندوق الاقتراع»، مشدداً على أن واجبه الدستوري يحتم السهر على احترام المهل الدستورية وضمان مشاركة اللبنانيين في الخارج.
من جهته، رأى النائب أنطوان حبشي بعد لقائه الرئيس عون أن هناك «اقتناعاً رئاسياً حقيقياً» بضرورة تمكين المغتربين من الاقتراع لـ128 نائباً، مؤكداً أن خيار الستة مقاعد «غير قابل للتنفيذ تقنياً ولا سياسياً»، ومعتبراً أن تعطيل طرح التعديل في البرلمان يفتح الباب لتأجيل الانتخابات «بطريقة غير مباشرة». ورفض حبشي فكرة التسويات الرمادية في القضايا المبدئية، قائلاً: «المغتربون يريدون المشاركة في تقرير مصير البلد، لا تقرير مصير فقمة في المحيط المتجمّد».
أما النائب مارك ضو، فشدّد على أن اقتراع المغتربين يهدف إلى توسيع المشاركة لا إلى فتح باب التأجيل، مؤكداً أن الانتخابات يجب أن تجرى في موعدها وأن أي تأجيل «هو التفاف على المهل الدستورية». واعتبر ضو أن المعركة القائمة هي «اختبار صدقية للإصلاح»، مشيراً إلى أن من يؤمن بالإصلاح «لا يخشى صندوقاً يُفتح في سيدني أو باريس أو أبيدجان».
وبين ذرائع تقنية وحجج سياسية، تكشف تقارير وزارة الداخلية عن صعوبات في تطبيق نظام المقاعد الستة، من تقسيم القارات إلى تحديد التوزيع الطائفي والإشراف على العملية الانتخابية في دوائر جغرافية شاسعة. أما اقتراع المغتربين وفق القيود الأصلية، فقد جُرّب في جولتين انتخابيتين سابقتين بنجاح نسبي، ويمكن تحسينه بقرارات تنفيذية بدلاً من إدخال البلاد في متاهة تشريعية جديدة.
في ظل هذه التجاذبات، يبرز خيار عمليّ تدفع باتجاهه المعارضة عبر الضغط على رئيس الحكومة لتقديم مشروع قانون حكوميّ يعدّل آلية اقتراع المغتربين ويضمن تصويتهم لكامل أعضاء البرلمان. بالتوازي، يجري تنسيق نيابي لتحديد جلسة تصويت في المجلس فور جهوز النص، وسط محاولات لتأمين دعم الرئاسة لتسريع الإجراءات التنفيذية.
أما في المشهد الأوسع، فيتزايد الضغط الدولي الداعي إلى احترام الاستحقاقات الدستورية كشرط لأي دعم مالي أو إصلاحي للبنان. التأجيل أو التعطيل قد يضع الطبقة السياسية مجتمعة في موقع المساءلة، فيما يبدو أن الجميع يسعى إلى كسب الوقت من دون خسارة الغطاء الخارجي. وبين صناديق الخارج وصناديق الداخل، تبقى المعادلة معلّقة: انتخابات في موعدها، لكن على أي قانون؟



