مقالات

بين ساركوزي وسلامة: العدالة ميزانٌ في فرنسا ومساومةٌ في لبنان

بين ساركوزي وسلامة: العدالة ميزانٌ في فرنسا ومساومةٌ في لبنان

تكشف قضيتا نيكولا ساركوزي ورياض سلامة عن مشهدين متناقضين بين دولتين يفصل بينهما أكثر من الجغرافيا. ففي فرنسا، تُطبَّق العدالة من دون استثناء، ويُساق رئيس سابق إلى السجن تنفيذًا لحكمٍ قضائيٍّ نهائيٍّ صادر باسم القانون. أما في لبنان، فيُطلَق سراح حاكم مصرفٍ سابق متهم باختلاس أموالٍ عامة، مقابل كفالةٍ خيالية، وسط اتهامات بتسييس القضاء وتحويله إلى أداةٍ بيد السلطة.

 

ففي باريس، بدأ الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي تنفيذ حكمٍ بالسجن لخمس سنوات في سجن “لاسانتي”، بعد إدانته بالتآمر لجمع أموال غير مشروعة من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية عام 2007. وبذلك، أصبح أول رئيس فرنسي يُسجن منذ الحرب العالمية الثانية، في خطوةٍ عُدّت انتصارًا لمبدأ المساواة أمام القانون، وترسيخًا لهيبة القضاء المستقلّ في وجه أي سلطةٍ سياسية.

 

هذا الحكم، الذي صدر رغم مكانة ساركوزي السابقة ونفوذه السياسي، أكّد أن الجمهورية الفرنسية لا تفرّق بين رئيسٍ ومواطن، وأن سيادة القانون تبقى فوق أي اعتبار. ففرنسا، التي تؤمن بأن العدالة هي الضمان الأول لاستقرارها، أثبتت مرةً أخرى أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على محاسبة من في القمة قبل من في القاعدة.

 

أما في لبنان، فالصورة معكوسة تمامًا. فرياض سلامة، حاكم مصرف لبنان السابق، خرج من السجن بعد تسديد كفالة مالية تجاوزت 14 مليون دولار، رغم تورطه في ملفات تحقيقات محلية ودولية تتعلق باختلاس أموالٍ عامة وتبييض أموالٍ واستخدام نفوذه للإثراء غير المشروع. وجاء قرار إطلاق سراحه ليطرح تساؤلاتٍ عن استقلالية القضاء اللبناني، الذي بدا وكأنه يخضع لتوازناتٍ سياسية أكثر منه لسلطة القانون.

 

سلامة، الذي يُحمّله كثير من اللبنانيين مسؤولية الانهيار المالي غير المسبوق، خرج حرًّا فيما لا يزال آلاف المودعين عاجزين عن استعادة ودائعهم، يعانون من انهيار معيشي أودى بحياة البعض وأفقر الآلاف. ومع ذلك، لا تزال العدالة اللبنانية بطيئةً ومترددة، تعجز عن محاسبة المتورطين في الانهيار، فيما يُترك المواطن العادي فريسة الغلاء واليأس وانعدام الثقة بالدولة.

 

الفارق بين القضيتين يختصر المسافة بين “دولة المؤسسات” و”دولة الحماية”. ففي فرنسا، العدالة تحكم الجميع بلا تمييز، بينما في لبنان تُدار العدالة بمعايير الانتقاء والمساومة. هناك، يحاكم القضاء رئيس جمهورية باسم الشعب، وهنا، يتردد أمام محاسبة حاكمٍ ماليٍّ متهمٍ بإفقار الناس ونهب ودائعهم.

 

وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدول بثرواتها ولا بجيوشها، بل بمدى التزامها بالعدالة. ففرنسا تُقدّم نموذجًا لدولةٍ تُسائل كبارها باسم القانون، بينما لبنان يُقدّم مثالًا مؤلمًا لدولةٍ يُعاقَب فيها الضعفاء ويُعفى الأقوياء. وبين النموذجين، يتجلّى الفرق بين من يضع القانون فوق السلطة، ومن يجعل السلطة فوق القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce