اقليمي

سوريا تقترب من رفع قيصر: بين التفاؤل الاقتصادي والحذر السياسي

سوريا تقترب من رفع قيصر: بين التفاؤل الاقتصادي والحذر السياسي

تقترب سوريا من تجاوز واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية قسوة، بعدما صوّت الكونغرس الأميركي لصالح تعديلات تشريعية تقرّب من إلغاء قانون “قيصر”، الذي شكّل منذ عام 2020 أداة ضغط سياسي واقتصادي مؤثرة على دمشق. ورغم أن الخطوة لا تمثل إلغاءً نهائيًا بعد، فإنها تعدّ إشارة أولى إلى تحوّل محتمل في الموقف الأميركي، بانتظار إقرار القانون من مجلس النواب وتوقيع الرئيس الأميركي قبل دخوله حيّز التنفيذ.

 

ويثير هذا التطور نقاشات واسعة حول مستقبل الاقتصاد السوري وقدرته على التعافي بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والعزلة. ويؤكد خبراء أن رفع العقوبات لن يترجم مباشرة إلى تحسّن اقتصادي ملموس، إذ يبقى مرهونًا بتوافق سياسي داخل الولايات المتحدة وباستقرار البيئة التشريعية.

 

في أول تعليق رسمي من دمشق، عبّر وزير المالية محمد يسر برنية عن تفاؤله قائلاً إن الخطوة تمثل “نجاحًا للدبلوماسية السورية”، مشيرًا إلى أن أي محاولة مستقبلية لإعادة فرض القانون ستكون صعبة وغير ملزمة للكونغرس. وفي السياق نفسه، اعتبر حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية أن القرار “نقطة تحوّل في تاريخ الاقتصاد السوري”، مؤكدًا عزم المصرف على استعادة الاستقرار المالي وتعزيز الثقة بالليرة وفتح قنوات الاستثمار مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

 

يُذكر أن قانون “قيصر” أُقرّ عام 2020 ضمن موازنة الدفاع الأميركية، وسُمّي نسبةً إلى المصوّر العسكري المنشق فريد المذهان الذي سرّب صورًا لضحايا التعذيب في السجون السورية. واستهدف القانون شخصيات ومؤسسات حكومية وخاصة، وفرض قيودًا واسعة على التعاملات المالية والنفطية والإنشائية مع سوريا، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم وانهيار العملة المحلية.

 

ويرى المستشار الاقتصادي في وزارة الاقتصاد أسامة القاضي أن التصويت الأميركي لصالح إلغاء القانون “يمثل إنجازًا أوليًا”، لكنه أشار إلى أن القرار لا يزال بحاجة إلى مصادقة نهائية. وأضاف أن دمشق استوفت جزءًا كبيرًا من المتطلبات الأميركية المتعلقة بمكافحة الإرهاب ومتابعة التحقيقات الأممية، ما قد يسهّل اكتمال العملية التشريعية.

 

أما المستشار الاقتصادي رازي محي الدين فاعتبر أن رفع “قيصر” بالكامل سيكون بمثابة “رسالة ثقة” للمستثمرين والمؤسسات المالية، لكنه شدد على أن الاستقرار القانوني وحده لا يكفي، إذ يجب أن ترافقه إصلاحات مالية وإدارية تضمن بيئة اقتصادية جاذبة.

 

من جهته، رأى الباحث الاقتصادي ملهم الجزماتي أن التطورات الأخيرة تحمل أبعادًا سياسية أكثر منها اقتصادية، مشيرًا إلى أن الأسواق تنتظر الصيغة النهائية للتشريع قبل أي تحركات ملموسة، وأن الحذر سيبقى سيد الموقف إلى حين صدور التوجيهات التنفيذية من البيت الأبيض.

 

ويعتقد الخبير الاقتصادي خالد التركاوي أن إلغاء القانون سيعيد فتح الباب أمام المؤسسات الأجنبية لإعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية مع سوريا، معتبرًا أن “العائق الأكبر زال، لكن العودة تحتاج إلى وقت وإجراءات فنية دقيقة”.

 

ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة سوريا على ترجمة هذه التطورات إلى واقع اقتصادي جديد. فبينما يُنتظر أن يخف الضغط تدريجيًا على الأسواق وتتحسن حركة الاستيراد والتبادل التجاري، يبقى التعافي الكامل مرهونًا بمدى نجاح الحكومة في تنفيذ إصلاحات فعالة تعيد الثقة للمواطنين والمستثمرين وتحوّل الخطوة السياسية إلى مكسب اقتصادي ملموس.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce