
من الطائف إلى اليوم: موازين القوى ترسم العلاقة بين بعبدا والسراي
من الطائف إلى اليوم: موازين القوى ترسم العلاقة بين بعبدا والسراي
منذ اتفاق الطائف، ظلّت العلاقة بين بعبدا والسراي محكومة بتجاذب لم تحسمه نصوص الدستور. فالتعديلات التي نقلت السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، جعلت رئيس الحكومة لاعبًا أساسيًا في إدارة الدولة، فيما أبقت الرئيس في موقع الحكم من دون أدوات حاسمة. لكن هذه المعادلة لم تُنتج توازنًا بقدر ما كرّست ازدواجية في المرجعية التنفيذية، لتبقى العلاقة بين الرئاستين الأولى والثالثة أسيرة التعايش القسري أو المواجهة المباشرة.
التجارب المتعاقبة جسّدت هذه المعضلة: في عهد إلياس الهراوي ورفيق الحريري، بدا الانسجام قائمًا لكنه كان انعكاسًا مباشرًا للوصاية السورية وما عُرف بـ”نظام الترويكا”. ومع إميل لحود، انفجرت التناقضات مع الحريري الأب وصولًا إلى المواجهة السياسية التي انتهت باغتياله. لاحقًا، مثّل ميشال سليمان محاولة للتوافق بعد اتفاق الدوحة، لكن الانقسام بين 8 و14 آذار جعله رئيسًا عاجزًا عن لعب دور الحكم، في ظل معارك “الثلث المعطِّل” والخيارات الاستراتيجية. أما ميشال عون فجاء إلى بعبدا بصفة “الرئيس القوي”، غير أنّ التجربة لم تُلغِ الانسداد، بل كرّست الصراع على الحصص وشلّت الحكومات في خضم الانهيار المالي والاقتصادي.
اليوم، مع انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة، بدا أن تسوية جديدة وُلدت تحت ضغط داخلي وخارجي لإنهاء الفراغ. غير أن التباين بين أولوية الاستقرار التي يرفعها رئيس الجمهورية، واندفاعة الإصلاح السريع التي يقودها رئيس الحكومة، سرعان ما ظهر في ملف حاكمية مصرف لبنان: رئيس يريد التدرج وتفادي الصدمات، ورئيس حكومة يرى أن الحسم السريع وحده يعيد الثقة الدولية.
الواقع أن موازين القوى، أكثر من أي نص دستوري، كانت دائمًا الحكم الفعلي في العلاقة بين بعبدا والسراي. وما بين رئيس بلا أدوات حاسمة ورئيس يفتقد الغطاء السياسي المتماسك، تبقى السلطة التنفيذية في لبنان انعكاسًا للتجاذبات والصفقات، لا لشراكة مؤسساتية راسخة.



