
دمشق تستعيد مكانتها الأكاديمية: المنتدى الأول للمركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة
دمشق تستعيد مكانتها الأكاديمية: المنتدى الأول للمركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة
دخل المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة عامه الخامس، ليطل للمرة الأولى على مسقط رأسه دمشق، بعد غياب قسري دام ثماني سنوات فرضته منظومة الحكم السابقة. طوال تلك الفترة، واصل المركز أبحاثه ومتابعاته من الخارج، وأقام أربع دورات أسهمت في خلق فضاءات معرفية مستقلة لدراسة التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في سوريا، من وجهات نظر متعددة ومتنوعة.
حملت دورة المنتدى الحالية ميزة إضافية، إذ وضعت حجر الأساس لأول مؤتمر أكاديمي يجمع الباحثين السوريين من الداخل والخارج، ويتيح مساحة نقاش مفتوح حول مختلف الموضوعات. ويرى مدير المركز، الدكتور حسام الحافظ، أن المنتدى لم يقتصر على التنظير، بل حاول ربط المعرفة بالسياسات العامة والحلول العملية، مستقطبًا أكثر من مئتي مشارك من خبراء وأكاديميين وباحثين، مما منح المنتدى عمقًا وزخمًا. ويضيف أحمد أبازيد، منسق منصة الذاكرة السورية التابعة للمركز، أن أهمية المنتدى تكمن في استعادة المكانة الأكاديمية والبحثية لسوريا بعد عقود من إغلاق المجال العام وحظر النقاشات السياسية والفكرية.
وفي تعليق له، أشار الخبير في التنمية والتخطيط جمعة حجازي إلى أن المنتدى جاء في مرحلة انتقالية حساسة، تتسم بتغيرات في القوانين وهياكل المؤسسات الحكومية، إضافة إلى ضرورة إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع وتعزيز السلام وبناء الدولة الحديثة على كافة المستويات. ويرى الحافظ أن انعقاد المنتدى في دمشق يحمل رسالة مزدوجة: الأولى أن الداخل السوري مرتبط بمسارات المعرفة والتفكير الدولي، والثانية أن الأكاديميا قادرة على أن تكون جسراً بين السوريين وبينهم وبين العالم. ويؤكد أن إنتاج المعرفة أصبح جزءًا من عملية إعادة التأسيس بعد الحرب.
تجلّت جدية المنتدى في تنوع المشاركات التي تجاوزت ثلاثين ورقة بحثية محكمة، تناولت قضايا جوهرية في الواقع السوري، بما في ذلك المواطنة، الشباب، التمكين الاقتصادي والسياسي، ومشاركة المرأة. ويقول حجازي إن المؤتمر أضاف محاور تعكس الواقع الراهن وتحاول تأسيس مرحلة جديدة من التلاقي بين صناع الفكر وقادة الرأي، وصولًا إلى أفضل الممارسات في بناء النماذج الاقتصادية وفهم متغيرات الانتقال السياسي في سوريا.
وعلى الصعيد الأمني، أشار أحمد أبازيد خلال ورشة المنتدى الختامية إلى أن إسرائيل تمثل التهديد العسكري الرئيسي لسوريا، من حيث العمليات البرية والجوية واحتلال الأراضي، وفرض قيود على القدرات العسكرية السورية المستقبلية. بدوره، شدد الحافظ على أن التحديات الجوهرية تشمل إعادة بناء العقد الاجتماعي، تمكين المؤسسات المحلية، عودة المهجرين، وإعادة الاعتبار للتعليم والبحث العلمي، مؤكدًا أن هذه الخلاصات تشكل قاعدة معرفية للبناء المستقبلي.
بالتوازي، أجرى المركز دراسة مسحية في دمشق تحت مسمى “المؤشر العربي”، وهي أول استطلاع رأي شامل في تاريخ سوريا يغطي جميع المحافظات ويضم أكثر من 420 سؤالًا حول موضوعات مختلفة، بما يوفر مصدرًا موثوقًا لصناع القرار والحقل الأكاديمي. وأوضح جمعة حجازي أن الاستطلاع اعتمد تصميمًا علميًا صارمًا، بتقسيم عنقودي متعدد المراحل لضمان التمثيل الجغرافي والاجتماعي العادل، واستغرق أكثر من 78 ألف ساعة عمل بمشاركة فريق مدرب، مع إجراءات دقيقة للتحقق من صحة البيانات. وختم بالقول إن هذا الاستطلاع يؤكد قدرة السوريين على الحلم والمشاركة في رسم ملامح مستقبل بلادهم، ليقولوا للعالم إن صوتهم مسموع، بعيدًا عن الأرقام أو ضجيج الأخبار.



