
تصاعد التوتر بين الدولة وحزب الله: قطيعة سياسية ومواجهة مفتوحة على احتمالات خطيرة
تصاعد التوتر بين الدولة وحزب الله: قطيعة سياسية ومواجهة مفتوحة على احتمالات خطيرة
تتجه العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله نحو مزيد من التعقيد، في ظل تراجع قنوات التواصل إلى أدنى مستوياتها، باستثناء التمثيل الحكومي للثنائي الشيعي. ويبرز هذا التباعد بوضوح في ملف السفير الإيراني، حيث تمسّكت السلطة بقرارها عدم التراجع عن إبعاده، في وقت استقبل فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون سفراء جدد، من دون البت بوضع السفير الإيراني، ما يعكس استمرار الأزمة الدبلوماسية وتركها مفتوحة على احتمالات عدة.
هذا الواقع يعكس اتساع الفجوة بين حزب الله ومؤسسات الدولة، سواء على مستوى رئاسة الجمهورية أو الحكومة، في وقت لم تعد الحرب الإسرائيلية على لبنان عاملاً لتقريب وجهات النظر، بل تحولت إلى عنصر إضافي في تعميق الخلافات. وقد أدى ذلك إلى انقطاع التواصل السياسي بين بعبدا وحزب الله، وكذلك مع عين التينة، فيما بقيت العلاقة مع الحكومة قائمة شكلياً عبر وزراء الثنائي، من دون أن يعني ذلك وجود تفاهم فعلي.
ميدانياً، لم يعد النقاش يدور حول أحداث محددة، بل بات التركيز على مسار المواجهة المفتوحة في الجنوب. ويبدو أن حزب الله ينظر إلى هذه المواجهة باعتبارها معركة طويلة الأمد، تختلف في طبيعتها وأدواتها عن المواجهات السابقة، معتمداً على تكتيكات جديدة وقدرة على التكيّف مع تطورات الميدان. وفي المقابل، تواجه إسرائيل تحديات متزايدة، أبرزها احتمال الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة، إضافة إلى القتال في بيئة جغرافية معقدة لا تملك السيطرة الكاملة عليها.
في السياق السياسي، يعيد حزب الله تقييم خياراته، انطلاقاً من قناعة بأن المسار الدبلوماسي لم ينجح في تحقيق الحد الأدنى من الحماية للبنان أو لبيئته، في ظل استمرار الاستهداف والتهجير. ويأتي ذلك بالتوازي مع تمسك الدولة بخيار حصرية السلاح، واستمرارها في اتخاذ إجراءات تضييقية استجابة للضغوط الدولية، بما يشمل ملفات اقتصادية وإعادة الإعمار.
أما العلاقة مع الحكومة، فتشهد تراجعاً واضحاً رغم استمرار اللقاءات الشكلية، حيث تبدو الهوة السياسية آخذة في الاتساع، في ظل توجه رسمي نحو تشديد الإجراءات، مقابل تمسك حزب الله بخياراته الميدانية. وفي المقابل، تبدو العلاقة مع رئيس الجمهورية أقل توتراً، رغم وجود تباينات في المقاربة، إذ يحكمها توازن دقيق بين الاعتبارات الداخلية والضغوط الخارجية.
على الأرض، يعيد الجنوب رسم ملامح المرحلة المقبلة، مع تصاعد وتيرة الدمار الذي طال بلدات واسعة، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. هذا الواقع يفرض كلفة إنسانية واقتصادية كبيرة، ويزيد من تعقيد المشهد الداخلي، في ظل سعي حزب الله إلى ترجمة نتائجه الميدانية سياسياً، مقابل تمسك الدولة بخياراتها السيادية.
في المحصلة، لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي تقليدي، بل تحولت إلى صراع بين مسارين متوازيين: مسار الدولة التي تسعى إلى تثبيت موقعها ضمن التوازنات الدولية، ومسار حزب الله الذي يعمل على إعادة فرض معادلاته عبر الميدان. وبين هذين الاتجاهين، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة، حيث تبدو كل الخيارات مفتوحة على احتمالات تتراوح بين إعادة إنتاج تسوية داخلية جديدة، أو استمرار الانقسام بما يحمله من تداعيات على الاستقرار العام.



