مقالات

رقص على هرمز: ترامب يستنفر العالم ونتنياهو يدغدغ وتر العظَمة

رقص على هرمز: ترامب يستنفر العالم ونتنياهو يدغدغ وتر العظَمة

منير الربيع -المدن

يدير دونالد ترامب الحرب على إيران، كأنه على مسرح ويرقص بالحركات الاستعراضية التي يحبها. عقلية الرجل، حبه لنفسه، واعتداده لا يدفعانه فقط إلى ممارسة لعبة الخداع، بل الاستمرار في لعب دور “النجم الذي تبقى الأضواء مسلطة عليه”. هذا الطبع هو عنصر أساسي في شخصيته ويطبع مسيرته كرئيس للولايات المتحدة الأميركية، كما يطبع الحقبة الأميركية بكل هذه الضوضاء التي يحب إثارتها، حتى يصل الأمر بالكثير من المسؤولين الأميركيين إلى التصريح بأنه لا يمكن لأحد أن يتنبأ بما سيقدم عليه ترامب، وهو بذلك يلاعب الخصم والحليف، ويساهم في إدارة البوصلة كما يشاء لعلّه يستدرج الجميع إليه. جنون العظمة لديه، يدفعه أكثر إلى دفع العالم بأسره لكي يقف على قدم واحدة بانتظار ما سيعلنه، وقد يخرج ليعلن “لا شيء” أو أمراً بديهياً ومعروفاً أو متوقعاً، وفي أحيان أخرى يمكنه أن يفاجئ الكثيرين.

 

 

 

مع الحرب وضدها

 

تلك اللعبة التي يتقنها، تجعل الكثيرين من حوله يبحثون عن الثمن أو يُبدون الاستعداد لدفعه، كمثل من يرغب في استكمال الحرب على إيران، فيركض إليه لتحفيزه على مواصلتها مع استعداد تحمل التكاليف. أو مسارعة الراغبين في وقف الحرب إليه لدعم موقف يطلقه أو تصريح يدلي به يشير من خلاله إلى أنه حقق أهدافه ويفضل الاتفاق مع طهران. وبالتأكيد، دوائر البيت الأبيض وترامب نفسه تلقوا اتصالات كثيرة في الأيام الماضية وحتى الدقائق الأخيرة ما قبل إلقاء خطابه المنتظر، من جهات ذات اتجاهات متناقضة، بعضها يحفز على وقف الحرب، وبعضها الآخر يدفع باتجاه استكمالها.

 

 

 

نتنياهو والوتر الحساس

 

بالتأكيد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان أحد أكثر الأشخاص المتصلين بترامب، ساعياً لإقناعه بضرورة مواصلة الحرب وتوسيعها وإدخال دول جديدة إليها، على قاعدة أنه لا يمكن وقفها في هذه المرحلة فيما مضيق هرمز لا يزال مغلقاً، وإيران لا تزال تطلق الصواريخ على تل أبيب، ولم تقدم أي تنازل يتيح لواشنطن إعلان الانتصار. ربما ما يقوله نتنياهو يدفع إلى اللعب على وتر “عظمة ترامب وقوته” فيبلغه أن من يريد إعادة أميركا عظيمة، لا يمكنه أن يتراجع مهزوماً أمام إيران، في حين كانت أميركا قد ساهمت في ربح حربين عالميتين لكن جبروتها قد تكسّر على صخور وأمواج هرمز. وكما هو حال نتنياهو، كذلك هم كثيرون غيره.

 

 

 

لا تنازلات

 

في كل الأحوال، وبعيداً عن كل التلاعب الذي مارسه ترامب بما يتعلق بالأسواق وأسعار النفط والحسابات الاقتصادية أو الشعبوية أو غيرها، لم تكن هناك أي مؤشرات جدية رُصدت على المستوى السياسي أو الديبلوماسي حول تحقيق خرق في كل المفاوضات التي جرت، ولا على مستوى المبادرة الباكستانية الصينية، ولا على مستوى اللقاء الرباعي الذي عقد في إسلام اباد. ووفق ما تكشف مصادر ديبلوماسية، فإن واشنطن لم تقدم أي تنازل لوقف الحرب على إيران، كما أن إيران رفضت تقديم تنازلات أو الالتزام بالشروط الأميركية. فطهران، وإن توصلت إلى تفاهم مع واشنطن على وقف الحرب وفتح مضيق هرمز وإيجاد صيغة للملف النووي، إلا أنها تريد مواصلة الحرب ضد إسرائيل، وهي تدعم حلفاءها على مستوى المنطقة. وهذا أيضاً ما دفع إسرائيل إلى الإصرار أكثر على مواصلة الحرب مع ترامب.

 

 

 

بين الخطاب والوقائع

 

في موازاة ذلك كانت المؤشرات الديبلوماسية العربية تفيد بأنه لم يتم تحقيق أي خرق على خط وقف النار بين إيران والولايات المتحدة، وأن كل المساعي لم تصل إلى نتيجة، في الوقت الذي يعلن فيه ترامب في خطابه فجر اليوم الخميس تحقيق معظم أهداف الحرب، مع الإصرار على الأهداف الأخرى المتصلة بفتح مضيق هرمز، وإحداث تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني، مع تأكيد أنَّ ذلك يحتاج إلى أسبوعين أو ثلاثة. وإذ يتصف الخطاب بلهجة إيجابية لجهة قرب انتهاء العملية العسكرية، فإنَّ العمل العسكري سيستمر على أرض الواقع. ووفق ما تبلغته عواصم عديدة، فإنَّ التصعيد الذي ينوي ترامب ممارسته وهدد به قد يبدأ قريباً في إطار الضغط أكثر على إيران لدفعها إلى “الاستسلام”، علماً أنَّ الإيرانيين كانوا قد أبلغوا كل الدول المعنية برفضهم الاستسلام أو التعاطي وكأنهم مهزومون، وأنهم يصممون على مواصلة الحرب وعدم التفاوض إلا إذا توقفت العمليات الحربية، ودخلت دول من بينها الصين على خط تقديم ضمانات واضحة بعدم استئناف الحرب أو تجددها مستقبلاً.

 

 

 

“شخصية” ترامب

 

اللعبة الآن على “شخصية” ترامب، من ينجح في إقناعه إما بوقف الحرب أو باستمرارها. مع قناعة شاملة بأن استهداف منشآت الطاقة والمرافق الحيوية في إيران، سيقابله رد إيراني على منشآت الطاقة والمرافق الحيوية في دول الخليج، وهو ما سيؤدي إلى إشعال المنطقة أو استدراج دول خليجية وعربية إلى هذه الحرب. ما تسعى إليه واشنطن وتل أبيب هو دفع العالم إلى رفض التعاون مع إيران أو مع النظام الحالي وتحويل الأزمة إلى دولية، مع سعي لعقد جلسة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة أهمية فتح مضيق هرمز ومحاولة اتخاذ قرار بشأن ذلك، في موازاة الضغوط التي تمارسها واشنطن على دول عديدة للانضمام إلى هذه الحرب وتأمين “الممرات البحرية” لحماية الاقتصاد العالمي. والتصعيد في إيران، سيقابله تصعيد في لبنان وعلى مستوى المنطقة، في الوقت الذي تُحضّر فيه إيران لإغلاق باب المندب، في حال القيام بعملية عسكرية لفتح هرمز. أما في حال الوصول إلى انسحاب أميركي من الحرب على إيران، فذلك لا يعني بالضرورة انسحاب إسرائيل ولا سيعني وقف الحرب على لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce