
بالخرائط: تصعيد واسع وتوغّل متعدد المحاور في جنوب لبنان… معركة استنزاف بلا حسم
بالخرائط: تصعيد واسع وتوغّل متعدد المحاور في جنوب لبنان… معركة استنزاف بلا حسم
شهدت الجبهة الجنوبية في لبنان تصعيدًا ميدانيًا لافتًا اتسم بتوسّع رقعة الاشتباكات وتثبيت نقاط تماس متقدمة، في مشهد يعكس انتقال المواجهة من حدود الاشتباك التقليدية إلى عمق القرى والبلدات، من دون أن يصل إلى مرحلة الحسم العسكري الكامل.
المعطيات الميدانية تشير إلى أن القوات الإسرائيلية واصلت تقدمها عبر ثلاثة محاور رئيسية شرقية ووسطى وغربية، محاولة توسيع نطاق انتشارها داخل الجنوب، إلا أن هذا التقدم جرى تحت ضغط مواجهات مباشرة ونيران مضادة للدروع وقصف جوي ومدفعي مكثف، ما جعله بطيئًا ومكلفًا ومفتوحًا على الاستنزاف.
في البعد السياسي والعسكري، يتضح أن هذا التصعيد يأتي ضمن مسار أوسع يهدف إلى فرض ما تصفه إسرائيل بـ”المنطقة الأمنية”، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة العمليات من تحركات محدودة إلى محاولة رسم واقع ميداني جديد يتجاوز القرى الحدودية. وقد عززت أوامر الإخلاء التي طالت عددًا من بلدات الجنوب هذا التوجه، في إطار استراتيجية تقوم على التقدم بالنار ثم فرض الوقائع على الأرض.
على مستوى المحاور، برز المحور الشرقي بوصفه الأكثر حساسية وعمقًا، حيث تركزت العمليات في مناطق تمتد من أطراف مرجعيون إلى الخيام والقنطرة والطيبة، وصولًا إلى تخوم كفرشوبا ومحيط مزارع شبعا. وشهد هذا المحور محاولات دفع بري وتدميرًا لمبانٍ واستهدافًا لمواقع ميدانية، في مسعى لفتح ممر قتالي يربط بين نقاط متعددة، إلا أن طبيعة المواجهة القائمة على الكمائن والصواريخ الموجهة حالت دون تحقيق تقدم حاسم.
أما المحور الأوسط، فتميّز بطابع قتالي معقّد داخل شبكة متداخلة من القرى، حيث دارت الاشتباكات في مناطق مثل بنت جبيل وبيت ليف وعيترون ودبل، وسط مواجهات مباشرة على أطراف البلدات وداخل الطرق الفرعية، ما جعل خطوط التماس غير واضحة وثابتة. وتكمن أهمية هذا المحور في كونه يشكل حلقة وصل بين الشرق والغرب، الأمر الذي يجعله ساحة حيوية في مسار العمليات.
في المقابل، اتخذ المحور الغربي طابعًا مختلفًا مع محاولات التفاف عبر القرى الساحلية، حيث تصاعدت الاشتباكات في مناطق مثل البياضة وشمع، وامتدت إلى بلدات ساحلية أخرى، في محاولة لتوسيع نطاق الضغط وفتح جبهة موازية تخفف العبء عن باقي المحاور. وقد أظهرت التطورات في هذا القطاع انتقال الاشتباك إلى مواجهة مباشرة داخل الأحياء والمنازل، ما يعكس تصعيدًا نوعيًا في طبيعة القتال.
المشهد العام للعمليات كشف اعتماد القوات الإسرائيلية على مزيج من الدبابات والوحدات البرية المدعومة بالمدفعية والطيران والطائرات المسيّرة، إلى جانب تكتيكات تقوم على التمهيد الناري وتدمير البنية العمرانية وفتح محاور تقدم جديدة. في المقابل، اعتمد الطرف الآخر على أساليب قتالية ترتكز على الصواريخ الموجهة والكمائن واستهداف الآليات والتجمعات العسكرية، ما ساهم في إبطاء الاندفاعة البرية وتحويلها إلى معركة استنزاف.
بالتوازي، توسّع نطاق القصف ليشمل مناطق خلفية تشكل عمقًا لوجستيًا وميدانيًا، ما يشير إلى محاولة تفكيك البيئة القتالية وعزل المحاور عن بعضها البعض.
خلاصة المشهد أن المعركة في جنوب لبنان دخلت مرحلة جديدة عنوانها توسيع نطاق الاشتباك بدل الحسم السريع، حيث تسعى إسرائيل إلى تثبيت واقع أمني جديد، في حين يعمل خصومها على منع ربط محاور التقدم وتحويلها إلى سيطرة ثابتة، ما يبقي المواجهة مفتوحة على احتمالات تصعيد إضافي في المرحلة المقبلة.









