
توتر غير مسبوق بين بعبدا وحزب الله… كيف انهارت العلاقة بين جوزاف عون والحزب؟
توتر غير مسبوق بين بعبدا وحزب الله… كيف انهارت العلاقة بين جوزاف عون والحزب؟
تشهد العلاقة بين رئاسة الجمهورية اللبنانية وحزب الله توترًا غير مسبوق منذ تولّي جوزاف عون منصب الرئاسة، إذ تشير المعطيات السياسية إلى وصول التواصل بين الطرفين إلى مرحلة شبه مقطوعة منذ مطلع آذار الماضي، في ظل تبادل الاتهامات حول مسؤولية انهيار العلاقة.
ووفق قراءة سياسية لما جرى خلال الأشهر الماضية، فإن الخلاف لم يعد مجرد تباين في المواقف، بل تحوّل إلى صراع سياسي مفتوح حول الخيارات الداخلية وموقع الحزب في المعادلة اللبنانية، حيث يرى كل طرف أن الآخر غيّر مسار العلاقة وانقلب على التفاهمات السابقة.
في المقابل، لم تكن العلاقة بين الجانبين على هذا القدر من التوتر في السنوات الماضية. فخلال تولي عون قيادة الجيش اللبناني، اتسمت العلاقة بطابع وثيق نسبياً، وشهدت تنسيقاً متكرراً بين المؤسسة العسكرية والحزب عبر قنوات تواصل سياسية وأمنية، كان من أبرزها اللقاءات التي جمعته مع مسؤولين في الحزب، بينهم وفيق صفا المسؤول عن وحدة الارتباط والتنسيق.
وخلال تلك المرحلة، بدت العلاقة أكثر تقارباً، خصوصاً في مقاربة ملفات أمنية وعسكرية حساسة، كما برزت مواقف علنية لعون أشاد فيها بدور الحزب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما عكس تقاطعاً في بعض الرؤى المرتبطة بالأمن الوطني.
غير أن هذا المسار بدأ يتغير تدريجياً مع بروز اسم عون كمرشح محتمل لرئاسة الجمهورية، حيث ظهرت تحولات في أدائه السياسي مع مرور الوقت، وتكرّست هذه التحولات بعد سلسلة أحداث مفصلية في البلاد، من بينها تداعيات احتجاجات 17 تشرين 2019، إضافة إلى تطورات المواجهة العسكرية مع إسرائيل خلال الأعوام الأخيرة.
ورغم هذه التحولات، راهن الحزب لفترة طويلة على إمكانية الحفاظ على قنوات التواصل مع الرئاسة، خصوصاً بعد اللقاء الذي جمع عون برئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد خلال مرحلة انتخابه رئيساً في نهاية عام 2024. وتشير المعلومات إلى أن ذلك اللقاء شهد تفاهمًا مبدئيًا يقضي بحصر البحث في مسألة سلاح الحزب ضمن إطار النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية الوطنية.
لكن مع مرور الوقت، لم يُفتح هذا الملف على نحو فعلي، فيما اتجهت السلطة التنفيذية إلى اتخاذ قرارات اعتبرها الحزب موجهة ضده، ما أدى إلى تصاعد التوتر تدريجياً وصولاً إلى مرحلة القطيعة السياسية.
وتشير مصادر متابعة إلى أن الحزب رأى في بعض قرارات مجلس الوزراء مؤشراً على تغيير في مقاربة الرئاسة لملف المقاومة، معتبرًا أن تلك الخطوات تمثل خروجاً عن التفاهمات السابقة. في المقابل، اعتبر فريق الرئاسة أن انخراط الحزب في المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل ساهم في تعقيد الوضع الداخلي وأدى إلى تراجع مستوى الثقة بين الطرفين.
في موازاة ذلك، كان رئيس الجمهورية على اطلاع واسع على التطورات الميدانية المرتبطة بالتصعيد على الحدود الجنوبية، بما في ذلك الغارات الإسرائيلية والعمليات العسكرية التي استهدفت مناطق لبنانية عدة، إلى جانب التحذيرات التي أطلقها الأمين العام للحزب نعيم قاسم بشأن احتمال تصاعد المواجهة إذا استمرت الاعتداءات.
كما تلقّت الرئاسة تقارير أمنية حول العراقيل التي تواجه انتشار الجيش اللبناني في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، في ظل اتهامات متبادلة حول مسؤولية التوتر القائم على الحدود.
في المقابل، يرى الحزب أن قرارات رسمية صدرت أخيراً، والتي صنّفته كتنظيم مسلح خارج إطار الدولة، شكلت نقطة تحول أساسية في العلاقة، إذ اعتبرها دليلاً على تبدّل في موقف الدولة منه، خصوصاً في توقيت يتزامن مع المواجهة العسكرية الجارية مع إسرائيل.
وبناءً على ذلك، يتعامل الحزب حالياً مع المرحلة باعتبارها مرحلة مواجهة سياسية وعسكرية في آن واحد، ويرى أن التطورات الميدانية ستكون العامل الحاسم في تحديد شكل المعادلة المقبلة داخل لبنان، كما في رسم طبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية والحزب.
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو العلاقة بين بعبدا والحزب أمام مرحلة جديدة غير واضحة المعالم، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع مسار الصراع الإقليمي، ما يجعل مستقبل هذه العلاقة مرهوناً بمسار الأحداث السياسية والميدانية في المرحلة المقبلة.



