مقالات

استهداف الجسور في جنوب لبنان يفتح مرحلة تصعيد جديدة… مخطط للعزل والضغط قبل أي توسّع بري

استهداف الجسور في جنوب لبنان يفتح مرحلة تصعيد جديدة… مخطط للعزل والضغط قبل أي توسّع بري

تشهد المواجهة الدائرة في جنوب لبنان بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله تصعيدًا متدرجًا يوحي بأنّ المعركة تدخل مرحلة مختلفة وأكثر حدّة. فمع مرور الأيام، تتسارع التطورات الميدانية وتكشف عن تحوّل في طبيعة العمليات العسكرية، ما يعكس محاولة كل طرف تثبيت معادلات جديدة في ساحة القتال.

في هذا السياق، برز استهداف الجسور والبنى التحتية كأحد أبرز ملامح المرحلة الحالية، في خطوة يرى مراقبون أنّها تتجاوز الضربات التكتيكية المباشرة، لتندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي والميداني في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.

وقد تصدّر استهداف جسر القاسمية واجهة الأحداث، بعدما شكّل لعقود معبرًا حيويًا يربط القرى الواقعة شمال النهر بتلك الموجودة جنوبه، خصوصًا في قضاء صور. ويقع الجسر على بعد نحو ستة كيلومترات من المدينة، كما يشكّل ممرًا أساسيًا للانتقال بين صيدا وصور، ما يجعله شريانًا حيويًا لحركة السكان والتنقلات اليومية.

ويشير استهداف الجسر إلى محاولة واضحة لخلق فصل جغرافي بين المناطق الواقعة على ضفتي النهر، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة السكان والطرق التي تربط القرى ببعضها. كما أنّ هذه الخطوة قد تؤدي عمليًا إلى عزل عدد من البلدات الجنوبية عن محيطها، في ظل تضرر المعابر الرئيسية التي يعتمد عليها الأهالي.

وفي موازاة ذلك، يُعتقد أن ضرب الجسور يهدف أيضًا إلى تعطيل خطوط الإمداد اللوجستي التي قد تستخدمها القوى المنتشرة في المناطق الحدودية. فالمعابر الواقعة على نهر الليطاني تشكّل مسارات أساسية لحركة الآليات أو لنقل الإمدادات، ما يجعل استهدافها جزءًا من محاولة تقليص القدرة على تعزيز المواقع الأمامية في حال توسعت العمليات العسكرية.

كما يرتبط هذا التوجّه بفرضية توسيع العمليات البرية داخل الأراضي اللبنانية، حيث يرى مراقبون أن تدمير البنية التحتية يمهّد لسيناريوهات ميدانية أكثر تعقيدًا، سواء عبر إنشاء منطقة عازلة قرب الحدود أو عبر السيطرة على نقاط استراتيجية يمكن استخدامها لاحقًا كورقة ضغط في أي مسار تفاوضي مع الدولة اللبنانية أو مع حزب الله.

إلى جانب الأهداف العسكرية، يبدو أن الضغط على السكان يشكّل عنصرًا أساسيًا في هذه الاستراتيجية. إذ تشير تقديرات ميدانية إلى أن نسبة من بقي من سكان القرى الواقعة جنوب الليطاني تتراوح بين 15 و20 في المئة فقط من العدد الأساسي، فيما يواصل آخرون التمسك بمنازلهم رغم المخاطر. وقد وردت اتصالات إلى عدد من رؤساء البلديات في بلدات ضمن قضاء صور، بينها العباسية وبرج رحال ومعركة، تطلب إخلاء القرى، إلا أن الردود جاءت برفض المغادرة والتأكيد على البقاء في الأرض.

ولا يقتصر استهداف البنية التحتية على البعد العسكري الآني، بل قد يندرج ضمن خطة أوسع ذات تأثير طويل الأمد. فتعطيل الجسور والطرق الرئيسية التي تربط شمال الليطاني بجنوبه قد يعرقل عودة السكان إلى قراهم حتى بعد انتهاء المواجهات، رغم أن تجارب سابقة أظهرت سرعة عودة أبناء الجنوب إلى بلداتهم حتى في ظل الدمار.

وفي الوقت نفسه، تتعرض قرى حدودية مثل الخيام ورب ثلاثين والطيبة والناقورة لعمليات تدمير واسعة طالت منازل وبنى سكنية، في خطوة يراها مراقبون محاولة لجعل هذه المناطق أقل قابلية للحياة، بما قد يخدم فكرة إقامة حزام أمني أو السيطرة على مواقع مرتفعة ذات أهمية عسكرية.

كما يشكّل استهداف البنية التحتية وسيلة ضغط إضافية على الدولة اللبنانية، إذ يمكن أن يؤدي إلى زيادة الضغوط الداخلية ومحاولة دفع السلطات إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا تجاه الوضع القائم.

في ظل هذه المعطيات، تبدو المعركة في الجنوب مفتوحة على احتمالات متعددة. فاستهداف الجسور والمعابر قد يكون مقدمة لمرحلة أكثر تعقيدًا من المواجهة، تتجاوز حدود التوغلات المحدودة أو العمليات الموضعية. وفي الوقت الذي تنظر فيه إسرائيل إلى هذه المواجهة باعتبارها جزءًا من معركة لإزالة التهديد الأمني على حدودها الشمالية، يسعى حزب الله إلى تثبيت معادلات ردع جديدة رغم الظروف الصعبة.

ويبقى العامل الأكثر تأثيرًا في هذه المعادلة هو صمود السكان الذين اختاروا البقاء في قراهم رغم المخاطر. فكثير منهم يرى أن مغادرة الأرض هذه المرة قد تعني فقدانها إلى الأبد، لذلك يفضّلون البقاء مهما ارتفعت الكلفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce