
فوضى إيجارات الشقق في لبنان خلال الحرب: أسعار خيالية وضرائب شبه غائبة
فوضى إيجارات الشقق في لبنان خلال الحرب: أسعار خيالية وضرائب شبه غائبة
مع تصاعد الحرب في لبنان وازدياد حركة النزوح الداخلي، شهد سوق الإيجارات السكنية ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار، في ظل غياب الرقابة الفعلية على عمليات التأجير، ما فتح الباب أمام استغلال واسع للطلب المرتفع من قبل بعض المالكين والسماسرة.
ففي العديد من المناطق، باتت الحرب بمثابة “موسم” استثنائي يتيح تحقيق أرباح مرتفعة من تأجير الشقق، مستندين إلى قاعدة العرض والطلب. إلا أن هذا الواقع يثير تساؤلات حول مدى التزام المؤجرين بالقوانين المالية، ولا سيما تلك المتعلقة بدفع الرسوم البلدية والضرائب المفروضة على الدخل الناتج من الإيجارات.
ووفق تقديرات الباحث في الشؤون الاقتصادية محمد شمس الدين، ارتفع الطلب على الشقق السكنية بنحو 400 في المئة خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تداخل عوامل عدة أبرزها الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2019، وتوقف القروض السكنية المدعومة عبر المؤسسة العامة للإسكان، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بعشرات آلاف الوحدات السكنية بفعل الحرب.
ويشير شمس الدين إلى أن هذا الارتفاع الكبير في الطلب ترافق مع انخفاض واضح في نسبة الشغور في الشقق السكنية، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في بدلات الإيجار. إلا أن المشكلة لا تقتصر على الأسعار المرتفعة، بل تمتد إلى غياب تسجيل عدد كبير من عقود الإيجار لدى البلديات، خصوصاً في المدن الكبرى حيث يصعب تتبع حركة التأجير بسبب الكثافة السكانية وتعدد الوسطاء العقاريين.
وفي ظل هذا الواقع، غالباً ما تعتبر البلديات أن مالك العقار هو المقيم فيه، في حين يكون المنزل مؤجراً فعلياً، الأمر الذي يعرقل تحصيل الرسوم المفروضة على القيمة التأجيرية. أما في القرى والمناطق الصغيرة، فتكون متابعة عمليات التأجير أسهل نسبياً نظراً لمعرفة السكان ببعضهم البعض.
ومن الناحية القانونية، تخضع العقارات المؤجرة لرسم سنوي على القيمة التأجيرية يبلغ 6.5 في المئة للعقارات السكنية و8.5 في المئة للعقارات التجارية، كما يترتب على المالك دفع ضريبة على الدخل الناتج من الإيجار لصالح الخزينة العامة عبر وزارة المالية اللبنانية. غير أن هذه الرسوم والضرائب لا يتم تحصيلها بالكامل في كثير من الحالات، نتيجة عدم تسجيل العقود أو تسجيلها بقيم أقل من الإيجار الفعلي.
بدورها، توضح الأستاذة الجامعية والمتخصصة في التنظيم المدني سهى منيمنة أن جزءاً كبيراً من عقود الإيجار في لبنان يبقى خارج الإطار القانوني، سواء بشكل كامل أو جزئي، مشيرة إلى أن تحصيل الرسوم البلدية والضرائب غالباً ما يبقى نظرياً ولا يطبق على جميع العقارات المؤجرة.
وترى منيمنة أن الحاجة باتت ملحة لوضع ضوابط واضحة لسوق الإيجارات، خاصة في أوقات الأزمات والحروب، لمنع الارتفاعات غير المبررة في الأسعار. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن كلمة “ضوابط” تثير مخاوف لدى بعض المالكين الذين يخشون العودة إلى نظام الإيجارات القديمة الذي استمر لعقود.
وبحسب رأيها، المطلوب ليس تجميد الأسعار، بل وضع آليات تنظيمية تأخذ في الاعتبار المتغيرات الاقتصادية مثل تقلبات سعر الصرف وآليات إنهاء العقود، بما يحقق توازناً بين حقوق المالكين وقدرة المستأجرين على تحمل التكاليف.
إلا أن تحقيق هذا التوازن يواجه تحديات كبيرة، إذ تحتاج هذه الضوابط إلى دراسات تشريعية وتنظيمية متكاملة. وحتى ذلك الحين، تبقى شريحة واسعة من عمليات التأجير خارج الرقابة الرسمية، بينما يتم تسجيل بعض العقود بقيم أقل من قيمتها الحقيقية لتفادي الرسوم والضرائب.
وفي ظل استمرار الحرب، لعب سماسرة العقارات دوراً أساسياً في تحديد الأسعار، إذ يتحكم كثير منهم بسوق الإيجارات عبر شركات الوساطة العقارية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما ساهم في رفع الأسعار بشكل سريع مع بداية موجة النزوح الجديدة مطلع شهر آذار.
كما عمد بعض الوسطاء إلى فرض عمولات مرتفعة قد تعادل أحياناً إيجار شهر كامل أو أكثر مقابل الوساطة بين المالك والمستأجر، في ظل غياب آليات رقابية تحد من استغلال الظروف الاستثنائية.
وبين ارتفاع الإيجارات وغياب الرقابة القانونية، يجد آلاف النازحين أنفسهم مضطرين لقبول الأسعار المرتفعة لتأمين مأوى آمن، في وقت تطرح فيه هذه الظاهرة تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على تنظيم السوق وحماية المستأجرين ومنع الهدر في الإيرادات الضريبية.



