مقالات

لبنان بين الحرب والدبلوماسية: تعثّر مسار التفاوض مع إسرائيل والميدان يفرض إيقاعه

لبنان بين الحرب والدبلوماسية: تعثّر مسار التفاوض مع إسرائيل والميدان يفرض إيقاعه

يبدو أن التطورات الميدانية المتسارعة في الحرب الدائرة بين لبنان وإسرائيل ألقت بظلالها الثقيلة على المسار السياسي، بعدما تعثرت المبادرات اللبنانية الرامية إلى فتح باب مفاوضات مباشرة، في ظل رفض إسرائيلي وأميركي أو طرح شروط معقدة اعتُبرت في بيروت أعلى بكثير من قدرة الدولة اللبنانية على تلبيتها.

ففي مرحلة مبكرة من النقاشات، أبلغ السفير اللبناني سيمون كرم رئيس الجمهورية جوزاف عون أن المطالب المطروحة على لبنان تتجاوز إمكاناته الواقعية. وقد جاء ذلك قبل انخراط حزب الله في ما وصفه بدعم إيران في المواجهة مع إسرائيل. ومع اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية على لبنان، رفعت تل أبيب سقف شروطها السياسية والعسكرية، معتبرة أن المعركة تمثل فرصة للقضاء على الحزب، الأمر الذي جعلها غير متحمسة لأي دعوة تفاوضية في تلك المرحلة.

في المقابل، حاولت الدولة اللبنانية تحريك قنواتها الدبلوماسية طلباً للدعم الأميركي، عبر اتصالات ولقاءات مع شخصيات في الإدارة الأميركية أو في الدائرة المقربة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من بينهم توم باراك ومسعد بولس. غير أن هذه التحركات لم تحقق اختراقاً يذكر، بل أثارت امتعاض السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الذي شدد على أنه الجهة المخولة بمتابعة الملف اللبناني.

على الصعيد الداخلي، أثارت الدعوة إلى التفاوض تباينات واضحة بين القوى السياسية. فقد رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري فكرة تسمية ممثل شيعي ضمن الوفد التفاوضي، ما عكس حجم الانقسام حول كيفية إدارة الملف السياسي بالتوازي مع الحرب. وفي الوقت نفسه، كانت التطورات الميدانية تشير إلى قدرة حزب الله على الصمود في المواجهات الدائرة في جنوب لبنان، بالتوازي مع الضربات التي توجهها إيران لإسرائيل، ما دفع بعض الأطراف إلى إعادة تقييم المواقف السياسية السابقة.

وفي ظل هذه المعطيات، بدأت فكرة تشكيل وفد تفاوضي موسع تتراجع تدريجياً، لتحل محلها مقاربة أكثر حذراً تقوم على احتمال تكليف سيمون كرم بتمثيل الرئاسة اللبنانية في أي مسار تفاوضي محتمل. غير أن هذه الخطوة لم تتبلور بعد، خصوصاً في ظل غياب اتفاق واضح بين الرئاسات الثلاث حول ورقة تفاوضية موحدة أو جدول أعمال محدد للمفاوضات.

كما أن طرح التفاوض الذي تقدم به الرئيس عون لم يكن نتيجة توافق مسبق مع رئيس الحكومة نواف سلام أو رئيس مجلس النواب، وهو ما جعل المبادرة عرضة لانتقادات سياسية. وقد حاول سلام بدوره فتح قناة مباشرة عبر توجيه رسالة إلى ترامب، غير أن هذه الخطوة لم تلقَ أي رد فعلي.

ومع استمرار العمليات العسكرية، بدا أن لبنان الرسمي اختار التريث وتجميد اندفاعته السياسية بانتظار ما ستؤول إليه المعارك على الأرض. فإسرائيل والولايات المتحدة تراهنان على الميدان لإضعاف إيران وتقليص نفوذ حزب الله، بينما يسعى الحزب إلى تثبيت حضوره العسكري وإعادة تعزيز موقعه في المعادلة اللبنانية والإقليمية.

وفي هذا السياق، جمد حزب الله تواصله السياسي مع رئاسة الجمهورية منذ بداية انخراطه في المواجهة، في وقت كان فيه الرئيس عون يعتقد أن الحزب لن يذهب إلى مواجهة عسكرية واسعة قد يتحمل لبنان تبعاتها الثقيلة.

ويرى الحزب أن المعركة الأساسية تدور في إيران، وأن أي تسوية محتملة هناك ستنعكس مباشرة على الساحة اللبنانية. كما يؤكد أن التقدم البري الإسرائيلي في القرى الحدودية لا يزال محدوداً، مشيراً إلى أن المواجهات الحالية تعتمد أسلوب الكر والفر الذي استخدمه خلال سنوات الصراع مع إسرائيل بين عامي 1982 و2000.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يقف لبنان أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم ملامح المشهد السياسي والأمني في البلاد. فنتائج الحرب لن تقتصر على الجبهة العسكرية فحسب، بل قد تمتد لتطال بنية السلطة السياسية وموقع لبنان ضمن التوازنات الإقليمية، في وقت تتجه فيه المنطقة بأسرها نحو مرحلة إعادة ترتيب شاملة قد تحدد ملامح التسويات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce