
تهديد إغلاق مضيق هرمز يربك واشنطن: ألغام إيران تضيق خيارات ترامب وتقلق أسواق النفط
تهديد إغلاق مضيق هرمز يربك واشنطن: ألغام إيران تضيق خيارات ترامب وتقلق أسواق النفط
يثير احتمال قيام إيران بزرع ألغام بحرية في مضيق هرمز مخاوف متزايدة لدى الولايات المتحدة وحلفائها، في ظل التداعيات المحتملة على إمدادات الطاقة العالمية وأسواق النفط. ويعد هذا السيناريو أحد أكثر التحديات تعقيداً أمام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تبدو خياراتها العسكرية والأمنية محدودة في مواجهة تهديد من هذا النوع.
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية يومياً، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. غير أن حركة ناقلات النفط عبر المضيق شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال الأسبوع الماضي، عقب تهديدات إيرانية باستهداف أي سفينة تحاول العبور، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وإثارة قلق واسع في الأسواق العالمية.
وتشير تقديرات مالية إلى أن أي اضطراب كبير في حركة الملاحة قد يؤدي إلى خفض الإمدادات العالمية من النفط بنحو 12 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب 12 في المئة من إجمالي الإنتاج العالمي، وهو ما يعكس حجم المخاطر الاقتصادية المرتبطة بأي تصعيد في المنطقة.
في المقابل، بدت الإدارة الأميركية غير مستعدة بشكل كامل لاحتمال إغلاق المضيق. فقد كشفت تقارير إعلامية أن مسؤولين في واشنطن أقروا خلال إحاطات مغلقة بأنهم لم يضعوا سيناريو عملياً لاحتمال أن تلجأ طهران إلى تعطيل حركة الملاحة رداً على الضربات العسكرية.
وكان ترامب قد اقترح في البداية أن ترافق البحرية الأميركية ناقلات النفط أثناء عبورها المضيق، قبل أن يتراجع لاحقاً عن هذا الطرح، معتبراً أن الناقلات يمكنها المرور بمفردها، في إشارة إلى أن جزءاً كبيراً من القدرات البحرية الإيرانية قد تعرض للتدمير.
لكن الخطر لا يقتصر على الأسطول البحري الإيراني التقليدي. فقد عمل الحرس الثوري على مدى سنوات على تطوير استراتيجية تعتمد على وسائل غير تقليدية لتهديد الملاحة في الخليج، تشمل الألغام البحرية والصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والغواصات الصغيرة جداً، إضافة إلى الزوارق السريعة والمركبات البحرية غير المأهولة.
وحتى استخدام أي من هذه الوسائل بشكل منفرد قد يكون كافياً لردع شركات الشحن العالمية عن إرسال سفنها عبر المضيق، فكيف إذا تم استخدامها ضمن منظومة عملياتية متكاملة. غير أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في إمكانية زرع حقول ألغام بحرية واسعة، وهو ما قد يشل حركة الملاحة بالكامل.
تاريخياً، تعد عمليات إزالة الألغام البحرية من أكثر العمليات العسكرية تعقيداً وبطئاً، وتزداد صعوبتها في ظروف الحرب. فالسفن والمروحيات المخصصة لهذه المهمة تصبح أهدافاً سهلة للصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية، ما يجعل عملية تطهير الممرات البحرية محفوفة بالمخاطر.
ويُعتقد أن إيران طورت خلال العقود الماضية قدرات كبيرة في مجال الألغام البحرية، إذ تشير تقديرات سابقة إلى امتلاكها ما يقارب خمسة آلاف لغم. بعضها تقليدي يشبه الألغام المستخدمة خلال حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، بينما يتمتع البعض الآخر بتقنيات أكثر تطوراً، مثل القدرة على الانفجار استجابة للإشارات الصوتية أو المغناطيسية، أو بعد مرور عدد محدد من السفن.
كما تمتلك طهران وسائل متعددة لنشر هذه الألغام، من بينها غواصات صغيرة ومئات الزوارق السريعة المنتشرة على طول الساحل الجنوبي. وتشير التقديرات إلى أن جزءاً من هذه الوسائل قد يكون مخبأ داخل شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت المحصنة التي بنتها إيران خلال السنوات الماضية لإخفاء معداتها العسكرية.
ورغم المراقبة الأميركية المستمرة، فإن صغر حجم هذه الزوارق وسرعتها قد يسمح لبعضها بالوصول إلى المضيق وزرع ألغام خلال فترة قصيرة. وحتى إذا زرع كل قارب عدداً محدوداً من الألغام، فقد تتمكن إيران خلال أيام أو أسابيع من نشر مئات الألغام دون لفت الانتباه.
وتظهر التجارب التاريخية أن الألغام البحرية قادرة على تعطيل الملاحة حتى بأعداد محدودة. ففي عام 1972 أدى زرع عشرات الألغام فقط إلى تعطيل حركة الملاحة في ميناء هايفونغ الفيتنامي، بينما تمكنت حقول ألغام عراقية من ردع إنزال بحري أميركي خلال حرب الخليج عام 1991.
وفي حال تكرار سيناريو مشابه في مضيق هرمز، قد لا يكون الهدف إغراق ناقلات النفط بقدر ما هو خلق بيئة شديدة الخطورة تدفع شركات الشحن إلى تجنب المرور عبر المضيق، وهو ما قد يؤدي عملياً إلى توقف حركة الملاحة.
ورغم تأكيد ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك أفضل قدرات في العالم لإزالة الألغام البحرية، فإن الواقع العملي يشير إلى أن البحرية الأميركية لم تعط هذا النوع من العمليات أولوية كبرى في الخليج. فقد سحبت واشنطن في الأشهر الماضية آخر سفينة متخصصة في مكافحة الألغام من المنطقة، بينما بقيت أربع سفن فقط من هذا النوع في الأسطول الأميركي، تتمركز حالياً في اليابان.
وتظهر التجارب السابقة أن إزالة الألغام عملية طويلة ومعقدة. ففي حرب الخليج عام 1991 استغرق تطهير أقل من ألف لغم قبالة السواحل الكويتية أكثر من خمسين يوماً، رغم أن العمليات جرت بعد انتهاء الحرب ومع توفر خرائط دقيقة لحقول الألغام.
أما في حال اندلاع مواجهة مفتوحة مع إيران، فستضطر الولايات المتحدة إلى تشغيل سفنها ومروحياتها بالقرب من السواحل الإيرانية لإزالة الألغام، ما يجعلها عرضة لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تتحول عمليات إزالة الألغام إلى فرصة لطهران لاستهداف أصول عسكرية أميركية مرتفعة الكلفة، وهو ما قد يطيل أمد المواجهة ويزيد الضغوط على واشنطن.
أمام هذا الواقع، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى خيارات تصعيدية أخرى، مثل السيطرة على أجزاء من الساحل الإيراني عبر عمليات إنزال لقوات خاصة أو مشاة البحرية، غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة وقد يؤدي إلى انزلاق واشنطن إلى حرب برية طويلة ومكلفة.
كما قد تختار الإدارة الأميركية توسيع نطاق الضربات الجوية لإجبار طهران على التراجع، لكن هذا الخيار قد يكون محدود الفاعلية إذا كانت الأهداف العسكرية الأساسية قد استُهدفت بالفعل في المراحل الأولى من الصراع.
في جميع الأحوال، فإن نجاح إيران في تلغيم مضيق هرمز سيضع الولايات المتحدة أمام خيارات صعبة ومكلفة، فيما ستكون التداعيات الاقتصادية حاضرة بقوة، ليس فقط على الأسواق العالمية بل أيضاً على الاقتصاد الأميركي نفسه.
فاضطراب إمدادات النفط أدى بالفعل إلى ارتفاع أسعار الطاقة، كما ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو 20 في المئة، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية في وقت يحاول فيه الاحتياطي الفيدرالي احتواء ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، رفعت مؤسسات مالية دولية احتمالات دخول الاقتصاد الأميركي في حالة ركود خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، ما يعني أن استمرار التصعيد في مضيق هرمز قد ينعكس مباشرة على الداخل الأميركي، ويضع الإدارة الأميركية أمام سباق مع الزمن لتفادي تداعيات اقتصادية أكثر قسوة.



