
موسم العسل في إدلب بين تفاؤل الأمطار وضغوط الكلفة… النحالون يواجهون تحديات المناخ والدعم
موسم العسل في إدلب بين تفاؤل الأمطار وضغوط الكلفة… النحالون يواجهون تحديات المناخ والدعم
يترقب مربّو النحل في محافظة إدلب شمال غربي سوريا موسماً جديداً من إنتاج العسل وسط تفاؤل حذر عقب الهطولات المطرية الجيدة التي شهدتها المنطقة هذا العام، والتي انعكست إيجاباً على تنوع المراعي وزيادة المساحات المتاحة لتربية النحل. غير أن هذا التفاؤل يترافق مع جملة من التحديات المزمنة المرتبطة بارتفاع التكاليف، وضعف الدعم، والمخاطر البيئية والأمنية التي لا تزال تؤثر في استدامة القطاع.
وشهد إنتاج العسل خلال الأعوام الماضية تراجعاً ملحوظاً، ولا سيما في عامي 2024 و2025، نتيجة انخفاض معدلات الأمطار وتقلص المراعي الطبيعية التي يعتمد عليها النحالون بشكل أساسي. كما أسهم تلف بعض المزروعات الرحيقية المهمة، مثل اليانسون وحبة البركة، بسبب الأمطار الغزيرة هذا الموسم، في التأثير على جزء كبير من الإنتاج المتوقع، كون هذه النباتات تشكل نسبة أساسية من مصادر الرحيق.
ويواجه مربّو النحل صعوبات إضافية تتمثل في تراجع أعداد خلايا النحل خلال السنوات الأخيرة بفعل التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف التربية، إلى جانب مخاوف من سرقة الخلايا في ظل غياب آليات تنظيمية تحدّ من هذه الظاهرة. كما أن تقلبات الطقس، واستمرار أو انحسار فصل الشتاء، تؤثر مباشرة على نشاط الخلايا ومخزون العسل، ما يدفع النحالين إلى استخدام مكملات غذائية لدعم الطوائف والحفاظ على الحضنة عند حدوث تغيّرات مفاجئة في درجات الحرارة.
ويشكّل تراجع الغطاء النباتي الرحيقي تحدياً رئيسياً، ما يبرز الحاجة إلى خطط لإعادة تأهيل المراعي عبر زراعة أشجار ونباتات رحيقية تعوض النقص في المراعي الزراعية. كذلك يطالب العاملون في القطاع بتحديث معدات التخزين والتعقيم، واعتماد تقنيات حديثة لمكافحة الأمراض والآفات، بما يواكب تطور تربية النحل ويحسن جودة الإنتاج.
وفي إطار تطوير القطاع، يسعى بعض النحالين إلى استخدام تصاميم حديثة للخلايا وزيادة كفاءتها الإنتاجية، مع انتظار دخول التقنيات الحديثة التي عُرضت في معارض زراعية سابقة إلى الأسواق المحلية بشكل فعلي. كما تبرز الحاجة إلى استعادة سلالة النحل السورية المعروفة بقدرتها على التحمل، إضافة إلى تأسيس جمعيات أو تجمعات تعاونية لتقاسم المعدات وتخفيف الأعباء المالية وتعزيز ثقة المستهلك بالمنتج المحلي.
من جهتها، تشير الجهات الزراعية في المحافظة إلى أن الأمطار الأخيرة أسهمت في تحسين المراعي وتسهيل تنقل النحالين بين المناطق، ما قد يرفع الإنتاج خلال الموسم الحالي، إلى جانب زيادة عدد الخلايا عبر تقسيمها وتحسين آليات التعامل مع الأمراض التي تصيب النحل. إلا أن غياب التنسيق الكافي بين المزارعين والنحالين، خصوصاً عند استخدام المبيدات الحشرية، لا يزال يشكل خطراً مباشراً على الخلايا، رغم الجهود الإرشادية للتنبيه إلى مواعيد الرش.
كما يجري العمل على تطوير القطاع عبر استخدام خلايا حديثة من نوع “لانغستروث”، مع توجه لإنشاء مخابر متخصصة لتحليل العسل ومنح شهادات منشأ تضمن الجودة وتحمي المستهلك من المنتجات المغشوشة، بالتوازي مع تشجيع تسويق الإنتاج من خلال المعارض الزراعية المحلية.
ويتوافر في الأسواق المحلية نحو 20 نوعاً من العسل تختلف بحسب نوعية تغذية النحل ومصادر الرحيق، مع تباين الأسعار وفق الجودة والنوعية، إذ تتراوح أسعار بعض الأصناف الشائعة بين 12 و15 دولاراً للكيلوغرام، بينما ترتفع أسعار الأنواع النادرة والجبلية لتصل إلى مستويات أعلى بكثير، ما يعكس تفاوت الإنتاج وقيمته في السوق.
ويبقى موسم تربية النحل في إدلب اختباراً لقدرة المربين على التكيّف مع التغيرات المناخية والاقتصادية، وفرصة في الوقت نفسه لإعادة إحياء السلالات المحلية وتحسين جودة العسل، شرط توافر دعم فعلي يحافظ على البيئة والمراعي الطبيعية ويضمن استدامة هذا القطاع الحيوي.



