
ملفات التهرب والكسارات على الطاولة… هل تبدأ الحكومة فعلاً معركة الجباية أم تبقى الوعود حبراً على ورق؟
ملفات التهرب والكسارات على الطاولة… هل تبدأ الحكومة فعلاً معركة الجباية أم تبقى الوعود حبراً على ورق؟
وضعت الحكومة في صدارة جدول أعمالها بنداً يتعلق بتعزيز تحصيل الإيرادات العامة، عبر تفعيل مكافحة التهرّب الجمركي والضريبي، ومعالجة ملف إشغال الأملاك العامة البحرية والنهرية، وتنفيذ أوامر التحصيل المرتبطة بالمقالع والكسارات، إلى جانب استكمال التدقيق الجنائي في عدد من الوزارات والإدارات. غير أن أهمية هذه العناوين لا تحجب التساؤلات حول مدى جدّية تنفيذها، خصوصاً في ظل ربطها بالحاجة إلى تمويل زيادة الرواتب في القطاع العام.
وتأتي هذه الخطوات في وقت تواجه فيه وزارة المال ضغوطاً مالية كبيرة، بعدما تبيّن أن الرسم الجمركي المفروض على البنزين بقيمة 300 ألف ليرة لا يغطي سوى نحو 450 مليون دولار من أصل كلفة تقدَّر بـ800 مليون دولار لتغطية الزيادات المقرّة. ما يطرح علامات استفهام حول ما إذا كان تحريك ملفات التهرّب والكسارات يشكّل خياراً إصلاحياً فعلياً أم استجابة ظرفية لأزمة تمويل.
وفي هذا السياق، عقد وزير المال اجتماعات مع مديريات معنية بالإيرادات، على أن تستكمل بسلسلة لقاءات تشمل الضريبة على القيمة المضافة والجمارك وقطاعات محددة كالمقالع والكسارات، بهدف تأمين موارد إضافية. إلا أن مصادر مطلعة تبدي شكوكاً حيال إمكانية تحقيق نتائج ملموسة، مشيرة إلى أن العوائق السياسية التي حالت سابقاً دون معالجة التعديات على الأملاك البحرية والنهرية لا تزال قائمة، فضلاً عن ملف الكسارات والمقالع الذي تحيط به تغطيات سياسية معروفة.
وتلفت المصادر إلى أن الوزراء لم يتسلّموا خلال الجلسة الحكومية أي ملفات تفصيلية أو خطط تنفيذية واضحة، بل اقتصر الأمر على عرض نيات وإجراءات مقترحة، ما يعزز المخاوف من أن تبقى القرارات في إطار العناوين العامة. ويُعدّ ملفا الأملاك البحرية والمقالع من أكثر الملفات قدرة على تأمين إيرادات في حال تطبيق القوانين بصرامة، إلا أن التجارب السابقة أظهرت ميلاً إلى الإعفاءات أو التغاضي عن المخالفات، سواء في الموازنات المتعاقبة أو في التطبيق العملي.
ولا يقلّ ملف منصة “صيرفة” تعقيداً عن سواه، إذ ينص تعديل أُدرج في موازنة 2026 على رفع الحدّ الخاضع للغرامة إلى 100 ألف دولار، مع فرض ضريبة بنسبة 17% على المبالغ التي تتجاوز هذا السقف، وملاحقة المتخلفين عن التصريح ضمن مهلة محددة. إلا أن هذا الإجراء يواجه معارضة من جهات تجارية ومصرفية، ما يثير تساؤلات حول قدرة الوزارة على فرض تطبيقه من دون استثناءات.
أما في ما يتعلق بالمقالع والكسارات، فقد أُعدّت مئات أوامر التحصيل المرتبطة بالمخالفات البيئية وإعادة التأهيل، إلى جانب التحضير لفرض رسوم على الإنتاج بالمتر المكعب. غير أن هذه الخطوات قوبلت باعتراضات من نقابة مقاولي الأشغال العامة والبناء، التي اعتبرت فرض الرسوم والغرامات بأثر رجعي خطوة مجحفة قد تهدد استمرارية القطاع وفرص العمل المرتبطة به، ما ينذر بإمكان لجوء المعترضين إلى وسائل قانونية لتعليق التنفيذ.
في المحصلة، تبدو الحكومة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على الانتقال من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ، في ملفات لطالما وُصفت بأنها “محظورة” سياسياً. فهل تنجح في فرض قواعد الجباية وتطبيق القوانين بالتساوي، أم أن الضغوط والمصالح ستعيد هذه الملفات إلى دائرة المراوحة؟



