
بطاقة “أمان” تحت المجهر: دعم للفقراء أم ثغرات في الاستهداف ومعايير مثيرة للجدل؟
بطاقة “أمان” تحت المجهر: دعم للفقراء أم ثغرات في الاستهداف ومعايير مثيرة للجدل؟
في خضمّ الانهيار الاقتصادي وتراجع قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، برز برنامج “أمان” كأحد أبرز أدوات الدعم الموجّه للأسر الأكثر فقرًا في لبنان، غير أنّ تنفيذه على أرض الواقع أثار موجة تساؤلات وشكاوى حول مدى عدالة معاييره وشفافية آليات الاستفادة منه.
فبعد إطلاق البرنامج بتمويل دولي وتنفيذ من وزارة الشؤون الاجتماعية بهدف تقديم تحويلات نقدية شهرية للعائلات الأكثر هشاشة، علّق آلاف اللبنانيين آمالهم عليه كشبكة أمان تخفّف من وطأة الفقر المتفاقم منذ عام 2019. إلا أنّ تجارب عدد من المتقدّمين أظهرت فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، حيث تحدّث مستفيدون محتملون عن استبعادهم رغم أوضاعهم المعيشية الصعبة، في مقابل حصول آخرين على البطاقة رغم أوضاعهم المالية الأفضل، وفق روايات ميدانية متكرّرة في مناطق عدة.
وتبرز إشكالية أساسية في آلية تحديد المستفيدين، إذ يشكو متقدّمون من غموض المعايير المعتمدة وغياب التفسيرات الواضحة لقرارات الرفض، بعد انتظار طويل منذ تقديم الطلبات إلكترونيًا أو ورقيًا. وتشير شهادات من مناطق فقيرة، لا سيما في البقاع والشمال، إلى شعور متزايد بعدم الإنصاف، وسط تساؤلات عن مدى وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر حاجة فعلًا.
ويكتسب هذا الجدل أهمية إضافية في ظل ارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، وتآكل المداخيل وتبخّر الودائع، ما جعل المساعدة النقدية المباشرة موردًا أساسيًا لتأمين الاحتياجات اليومية من غذاء ودواء وخدمات أساسية. غير أنّ فعالية أي برنامج اجتماعي، بحسب خبراء، ترتبط بقدرته على الاستهداف الدقيق والشفاف، وهو ما يشكّل التحدّي الأكبر أمام “أمان”.
كما تتصاعد الانتقادات المرتبطة بشبهات المحسوبيات والتدخّلات المحلية في بعض المناطق، حيث يعتقد مواطنون أنّ لوائح المستفيدين تأثّرت بعوامل سياسية أو بلدية أو شخصية، الأمر الذي يعزّز فقدان الثقة ببرامج الدعم الحكومية، خصوصًا عندما تُموَّل من جهات دولية وتُقدَّم تحت عنوان الحماية الاجتماعية.
ومن أبرز الثغرات التي أثارت استغراب المتابعين مسألة شمول الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ تشير حالات متعددة إلى استبعاد أفراد يحملون بطاقات رسمية صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية، رغم كونهم من الفئات الأكثر هشاشة اقتصاديًا واجتماعيًا، ما يطرح تساؤلات حول مدى توافق آليات الاستهداف مع مبادئ العدالة الاجتماعية والقوانين المرعية.
على صعيد الأرقام، يستفيد من البرنامج عشرات آلاف الأسر الموزّعة على مختلف المحافظات، مع متوسّط مساعدة شهرية يناهز 110 دولارات لكل أسرة، فيما تمّ إقرار تمويل دولي إضافي بقيمة 200 مليون دولار لتوسيع قاعدة المستفيدين وتلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الأكثر فقرًا. ورغم ذلك، لا تزال فجوة الاستهداف محلّ انتقاد، في ظل تقديم مئات آلاف الطلبات منذ إطلاق البرنامج.
في المقابل، تؤكد مصادر معنية في وزارة الشؤون الاجتماعية أنّ اختيار المستفيدين يتم وفق نظام نقاط تقني يراعي الدخل وعدد أفراد الأسرة ومستوى التعليم والوضع السكني، بالتعاون مع الجهات المانحة والبنك الدولي، نافيةً أي تدخلات سياسية أو حزبية في تحديد اللوائح. كما تشير إلى أنّ الأخطاء التي سُجّلت سابقًا تخضع لإعادة تقييم عبر زيارات ميدانية وتصحيح تدريجي، مع الإقرار بأن محدودية الإمكانات البشرية والتقنية تشكّل تحديًا أمام إدارة برنامج بهذا الحجم.
وبشأن الأشخاص ذوي الإعاقة، توضح المصادر أنّ بعضهم يستفيد من برامج دعم أخرى مخصّصة، مع إمكان تطوير آلية الاستهداف مستقبلاً بما يراعي أوضاع هذه الفئة بشكل أفضل. غير أنّ هذه التبريرات لا تبدّد بالكامل حالة الاستياء لدى مستبعدين يرون أنّ المعايير التقنية المعلنة لا تنعكس دائمًا على الواقع الميداني.
في المحصلة، يبقى برنامج “أمان” ضرورة ملحّة في ظل الانهيار الاقتصادي غير المسبوق، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية في لبنان، والحاجة إلى آليات أكثر شفافية وعدالة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بعيدًا عن أي اعتبارات زبائنية أو إدارية، بما يحفظ ثقة المواطنين والجهات الداعمة ويحوّل البرنامج إلى شبكة أمان فعلية للفئات الأكثر ضعفًا.



