مقالات

إسرائيل بين استعراض القوة وأزمة الداخل: حرب مكلفة وانقسام يهدد الاستقرار

إسرائيل بين استعراض القوة وأزمة الداخل: حرب مكلفة وانقسام يهدد الاستقرار

رغم الصورة التي تحاول إسرائيل تكريسها كقوة إقليمية لا تُقهر في محيطها العربي، مدعومة بغطاء أميركي واسع، إلا أن المعطيات الداخلية تكشف واقعاً أكثر تعقيداً، حيث تتزايد المؤشرات على أعباء اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة أفرزتها الحرب وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام واستقراره.

فالحرب الأخيرة، التي امتدت تداعياتها إلى غزة ولبنان ومحيطهما، لم تمر من دون كلفة باهظة. وتشير بيانات رسمية إلى أن النفقات العسكرية المباشرة قاربت 70 مليار دولار، فيما تخطت الكلفة الإجمالية مع الآثار الاقتصادية حاجز 112 مليار دولار. ولولا المساعدات الأميركية الإضافية التي قُدرت بعشرات المليارات، لكان الضغط على الاقتصاد أشد وطأة. ومع تبني نظرية “الحرب الدائمة” والاستعداد لإنفاق نحو 100 مليار دولار إضافية على التسليح خلال العقد المقبل، تبدو التحديات المالية مرشحة للتفاقم.

في موازاة ذلك، أظهر التقرير السنوي لمؤسسة التأمين الوطني ارتفاع معدلات الفقر لتطال نحو مليوني شخص، بينهم مئات آلاف الأطفال، مع تصاعد غلاء المعيشة وتباطؤ النمو. كما ارتفعت نسبة من يعيشون في انعدام أمن غذائي إلى أكثر من ربع السكان، فيما أقر التقرير بأن الأزمة تتجاوز التعريفات الرسمية للفقر، في ظل تراجع القدرة على تأمين الغذاء الصحي والعلاج الطبي لدى شريحة ملحوظة من المواطنين.

وتعكس تقارير دائرة الإحصاء المركزي تراجعاً في الثقة بالمؤسسات الرسمية، مع ازدياد معدلات الاكتئاب والاضطرابات النفسية وتنامي الأعباء على عائلات الجنود الاحتياط. كما برز عجز واضح في ميزان الهجرة، حيث فاق عدد المغادرين العائدين خلال العامين الماضيين، ما يعكس تحولات اجتماعية مقلقة.

سياسياً، يتعمق الانقسام الداخلي على خلفية الصراع بشأن “الإصلاح القضائي”، بعدما تحولت مناسبة رسمية لإحياء ذكرى تأسيس الكنيست إلى ساحة مواجهة بين السلطتين التشريعية والقضائية، في مؤشر على احتدام الاستقطاب. وأظهرت استطلاعات رأي أن غالبية الإسرائيليين يعتبرون الانقسام الاجتماعي مصدر القلق الأول، متقدماً حتى على التهديدات الخارجية.

كما تتصاعد الأصوات المشككة في طبيعة النظام السياسي، حيث اعتبر قضاة وشخصيات قانونية بارزة أن البلاد تبتعد عن نموذج الديمقراطية الليبرالية، في ظل تركّز السلطات بيد القيادة التنفيذية. وتعكس استطلاعات حديثة ميلاً لدى شريحة واسعة لطي صفحة القيادة الحالية، في وقت تتعقد فيه أزمة إقرار الموازنة العامة مع تصاعد الخلافات بين مكونات الائتلاف، ما يفتح الباب أمام احتمالات سياسية غير مستقرة، بينها تبكير الانتخابات.

في المحصلة، تبدو إسرائيل أمام مفارقة واضحة: حضور عسكري صاخب في الخارج، يقابله واقع داخلي مثقل بالأعباء الاقتصادية والانقسامات السياسية والاجتماعية، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة هذا النموذج على الاستمرار بالزخم ذاته في السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce