مقالات

لبنان بين الانهيار والإصلاح: كيف تهدد المنظومة القديمة مستقبل الدولة؟

لبنان بين الانهيار والإصلاح: كيف تهدد المنظومة القديمة مستقبل الدولة؟

في خضم الانهيارات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، قد يبدو الحديث عن “منظومة آيلة إلى السقوط” ترفًا نظريًا أمام أزمات يومية تضرب المجتمع والدولة معًا. غير أن الأزمة لم تعد محصورة بأبنية متصدعة أو قطاعات منهارة، بل تطال نموذج حكمٍ كامل قام لعقود على التسويات المؤقتة، والترقيع بدل الإصلاح، وتأجيل المواجهة بدل الاعتراف بحجم الخلل البنيوي.

المشكلة لم تكن يومًا في غياب الحلول، بل في الخوف من كلفتها السياسية والاجتماعية. فالإصلاح الحقيقي لا يشبه إجراءات تجميلية، بل أقرب إلى جراحة عميقة تقتضي إزالة أجزاء فاسدة لبناء هيكل أكثر صلابة. وهنا تحديدًا يتقدم مفهوم “التدمير الإبداعي” الذي يقوم على استبدال النماذج الاقتصادية الفاشلة بأخرى أكثر إنتاجية، ولو تطلّب ذلك خسائر آنية.

التجارب الاقتصادية تُظهر أن التقدم لا يتحقق من دون إحلال الجديد مكان القديم. غير أن هذا التحول غالبًا ما يصطدم بمصالح راسخة تخشى إعادة توزيع موازين القوة داخل المجتمع. في لبنان، تحوّلت الشعبوية من خطاب انتخابي إلى آلية دفاع عن النظام القائم، حيث يُستخدم شعار “حماية الناس” لتبرير تعطيل أي مسار إصلاحي قد يهدد بنية النفوذ التقليدية.

يتجلى ذلك بوضوح في ثلاثة ملفات أساسية. أولها ملف الودائع وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. فمنذ بداية الأزمة، رُفع شعار حماية أموال المودعين بالكامل، إلا أن الخسائر وقعت فعليًا وتم توزيعها بشكل غير مباشر عبر التضخم، وانهيار سعر الصرف، والقيود غير الرسمية على السحوبات. تأجيل الاعتراف بالخسائر عطّل إعادة الهيكلة، وأبقى القطاع المصرفي في حالة شلل، فيما تراجعت الثقة بالنظام المالي إلى مستويات غير مسبوقة.

الملف الثاني يتعلق بالقطاع العام، الذي تضخم تحت عنوان حماية الأسر من البطالة. إلا أن الوظيفة العامة تحوّلت تدريجيًا إلى أداة ولاء سياسي أكثر منها أداة خدمة عامة. أي محاولة لإعادة هيكلة الإدارة تُقدَّم كاستهداف اجتماعي، بينما استمرار الوضع القائم يمنع قيام جهاز إداري فعال يدعم اقتصادًا منتجًا.

أما ثالثًا، فتبرز سياسات الدعم الشامل التي استنزفت احتياطيات الدولة بحجة حماية الفئات الفقيرة، فيما استفاد منها التهريب والاستهلاك غير العادل أكثر مما استفاد المحتاجون. الدعم العشوائي بدا اجتماعيًا في ظاهره، لكنه ساهم في تعميق الاختلالات بدل معالجتها.

الإصلاح الاقتصادي في لبنان يفرض مسارًا واضحًا: الاعتراف بالخسائر وتوزيعها بعدالة، إعادة هيكلة المصارف عبر تحميل المساهمين وكبار الدائنين الجزء الأكبر من المسؤولية قبل المساس بصغار المودعين، تحويل المرافق العامة إلى مؤسسات إنتاجية شفافة بدل بقائها أدوات نفوذ، واستبدال الدعم الشامل بشبكات أمان اجتماعي موجّهة مباشرة للأسر الأكثر حاجة. كذلك، يشكل استقلال القضاء وتعزيز البيئة القانونية شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمار وإعادة بناء الثقة.

غير أن المعضلة لا تقف عند الاقتصاد. فالأزمة اللبنانية أعمق من أي ملف منفرد، سواء كان ماليًا أو سياديًا. صحيح أن تعددية مراكز القوة تمثل تحديًا لمفهوم الدولة الحديثة، إلا أن جذور الانهيار تعود إلى نظام سياسي–اقتصادي قائم على الزبائنية، حيث تُدار الدولة كمجموعة موارد توزَّع مقابل الولاء، لا كمؤسسة عامة تخدم المصلحة المشتركة.

هذا النموذج خلق اقتصادًا ريعيًا يعتمد على الديون والتحويلات بدل الإنتاج، وربط بقاء القوى السياسية باستمرار توزيع المنافع. لذلك، فإن أي إصلاح بنيوي يعني خسارة مباشرة لأحد أطراف المنظومة، ما يفسر التوافق الضمني بين الخصوم على حماية قواعد اللعبة رغم حدة الخطاب السياسي.

أداء الحكومات المتعاقبة يعكس هذا التوازن الحذر. فبدل قرارات جذرية في ملفات إعادة هيكلة المصارف أو إصلاح الكهرباء أو ضبط الإنفاق، يسود نهج التدرج الذي يتجنب صدامًا مباشرًا مع مراكز النفوذ. والنتيجة إدارة للأزمة أكثر منها كسرًا لها.

تفكيك الزبائنية يطرح تحديًا إضافيًا، إذ تحوّلت هذه الشبكات إلى شكل غير رسمي من الحماية الاجتماعية في ظل غياب دولة رفاه فعالة. لذلك، فإن الإصلاح يحتاج إلى بدائل واضحة تضمن الأمن المعيشي للمواطنين، وإلا فسيُفسَّر كتهديد مباشر للاستقرار.

الخروج من الحلقة المفرغة يتطلب انتقالًا حقيقيًا من دولة الحصص إلى دولة المؤسسات والقانون، ومن اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، ومن منطق الشعبوية إلى منطق المساءلة. فلبنان لا يواجه أزمة مالية فحسب، بل أزمة نموذج حكم. والسؤال لم يعد ما إذا كان التغيير سيحدث، بل كيف سيحدث: عبر مسار منظم وعادل يعيد توزيع الخسائر بشفافية، أم عبر انهيار غير منضبط يدفع ثمنه المجتمع بأكمله.

التحول مؤلم بلا شك، لكنه أقل كلفة من استمرار التآكل البطيء. فالدول التي تؤجل الإصلاح خوفًا من الاضطراب غالبًا ما تجد نفسها أمام انهيار شامل يصعب احتواؤه. أما تلك التي تواجه أزماتها بقرارات شجاعة، فتفتح الباب أمام بناء مؤسسات أكثر قدرة على النمو والاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce