مقالات

باريس ترفع السقف في بيروت: الدعم مرتبط بحصر السلاح والمهلة تضيق أمام لبنان

باريس ترفع السقف في بيروت: الدعم مرتبط بحصر السلاح والمهلة تضيق أمام لبنان

تعاملت فرنسا مع الملف اللبناني خلال زيارة وزير خارجيتها جان-نويل بارو إلى بيروت باعتباره أولوية ملحّة، في ظل تداخل الأزمات الداخلية اللبنانية مع تحولات إقليمية دقيقة ومفتوحة على احتمالات غير محسوبة. وجاءت الزيارة، وهي الرابعة لبارو إلى لبنان، لتؤكد أن باريس باتت ترى عامل الوقت عنصرًا حاسمًا، لم يعد يسمح بإدارة الأزمة بالحد الأدنى أو الاستمرار في سياسة المراوحة، في وقت يُطرح فيه مستقبل لبنان على المحك.

وخلال لقاءاته مع كبار المسؤولين اللبنانيين، قدّم رئيس الدبلوماسية الفرنسية تشخيصًا مباشرًا للمخاطر التي تواجه البلاد، ناقلًا رسالة واضحة مفادها أن هامش المناورة يضيق، وأن المجتمع الدولي ينتظر خطوات ملموسة تتجاوز الوعود السياسية. وعلى الرغم من أن الزيارة جاءت ضمن جولة إقليمية شملت العراق وسوريا، إلا أن محطة بيروت بدت الأكثر حساسية، نظرًا لتشابك ملفاتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

وفي صلب المباحثات، حضر بقوة ملف مؤتمر دعم الجيش اللبناني، حيث أوضح بارو أن التحضيرات لا تزال قائمة، وأن نحو خمسين دولة أكدت مشاركتها واستعدادها لتقديم الدعم، نافيًا أي معلومات عن انسحابات أو تراجع من دول مؤثرة. وبيّن أن طبيعة المساهمات ستختلف بين دعم مالي ومساعدات عينية وبرامج تعاون، على أن تُحدَّد الأولويات وفق حاجات الجيش اللبناني في ظل اتساع المهام الملقاة على عاتقه.

غير أن الرسالة الأبرز التي نقلها الوزير الفرنسي تمثلت في الربط الصريح بين دعم الجيش واستكمال مسار حصر السلاح. فباريس تعتبر أن انعقاد مؤتمر الدعم جاء نتيجة إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح، وأن أي دعم فعلي يجب أن يترافق مع استكمال المرحلة الثانية شمال الليطاني. ورغم إدراك فرنسا لتعقيدات هذا المسار وحساسياته الداخلية، فإن موقفها بدا حاسمًا: إضاعة الوقت لم تعد خيارًا، وعلى حزب الله أن يقتنع بأن تسليم سلاحه والانخراط الكامل في إطار الشرعية يشكلان ضمانة له قبل أي طرف آخر، وأن المساس بالوحدة الداخلية بات خطرًا على الجميع.

وخلال لقاءاته مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، شدد بارو على هذه المقاربة، مستمعًا في المقابل إلى تأكيد لبناني على التزام قرار حصر السلاح، مقرونًا بالمطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة وإعادة الأسرى. كما أكد رئيس مجلس النواب للوزير الفرنسي أن الانتخابات النيابية ستُجرى في موعدها، ردًا على أي مخاوف تتعلق بالاستحقاقات الدستورية.

وفي ما يتصل بالحدود الجنوبية، حرصت باريس على الفصل بين الدور التقني للجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية والمسار السياسي للتفاوض، الذي ترى أنه يجب أن يبقى خارج إطار هذه الآلية. ففرنسا متمسكة بالحفاظ على عمل اللجنة ضمن مهمتها الأساسية، أي مراقبة تنفيذ وقف الأعمال العدائية، من دون تحميلها عبء تحديد مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، والذي قد يتخذ مسارات متعددة خارج هذا الإطار.

اقتصاديًا، ركّزت المقاربة الفرنسية على ملف الإصلاحات، ولا سيما قانون الفجوة المالية، الذي تعتبره باريس خطوة أساسية، ولو متأخرة، للعبور نحو التفاوض مع صندوق النقد الدولي. وأكد بارو أن وضع هذا القانون موضع التنفيذ يشكل مدخلًا إلزاميًا لإعادة إدخال لبنان في المسار المالي الدولي، مع التشديد على ضرورة الموازنة بين حقوق المودعين وشروط الصندوق. وفي هذا السياق، نقل رسالة واضحة بأن الوقت لا يعمل لمصلحة لبنان، وأن أي تأخير إضافي يفاقم الكلفة بعد سنوات طويلة من الانهيار.

وعلى صعيد الملفات الإقليمية، حمل بارو من دمشق إشارات وُصفت بالإيجابية نسبيًا، مع بروز مرونة في مقاربة عدد من القضايا، من بينها ملف السجناء، وترسيم الحدود، وعودة النازحين. وأفادت المعطيات بأن المقاربة الفرنسية والدولية لملف النازحين السوريين تشهد تحولًا، مع اعتبار أن الظروف باتت أكثر ملاءمة لعودة طوعية وكريمة، وسط استعداد سوري للتعاون مع لبنان في هذا الشأن.

واختتم وزير الخارجية الفرنسي رسائل بلاده بالتأكيد على ضرورة التزام لبنان مواعيده الدستورية، وإجراء الانتخابات في وقتها، وتطبيق القوانين الإصلاحية، محذرًا من أن أي إخلال بهذه الالتزامات سيضع البلاد أمام مرحلة أكثر خطورة، في منطقة تعيش على إيقاع توترات مفتوحة، وبلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce