اقلام حرة

جرم صغير… والعالم الأكبر

جرم صغير… والعالم الأكبر

كتب حسان فلحة في “النهار”:

في العالم هناك حوالى ستمائة ألف كلمة عرفتها البشريّة، يمكن إجمالها بالحصر في عدّة مفردات خالدة، هي الكلمات العليا بعد لفظ الجلالة، آدم وحواء، الأم والأب، وأربع صفات سرمديّة أو خمس هي الحياة والموت، الحب والكراهيّة، واسم يبقى لدى كلّ واحد، مجهولاً رغم حضوره الداخليّ الدائم.

أعظم اختراعات الإنسان قاطبة هي “الكلمة” التى نطقها منذ الأزل مفتاحا أعظم للتواصل الاجتماعيّ تفوّقت على فطرته الأولى. الصرخة، وهي الإثبات الدلالي الأوّل على ذاك الكائن الآتي من دوائر الصمت والهمس، الذي طوّر نموّه البشريّ في تعدّد طبقات اللغات واختلاف اللهجات المكوّنة من بنيان الأحرف المشبّهة بالأحجام والأوزان. الكلمة هي الإيماء اللفظيّ، الذي ركن بين النطق واللفظ، في الأوّل هو ما تصوّت به (كلمة)، بحروفها، والآخر هو ما يلفظ مع حروفها عندما تصدر من ثنايا الفمّ، وتتحرّر من الكبت الداخليّ. لقد بقيت إيماء وحيداً، بلا تلازم في وحدة القول، عارية المعنى قبل أن تكون كلمة وتغدو نافذة مهجورة حائرة في السماء يراودها الكائن البشريّ عن إحساسه وحاجاته وعن كنهه وعن نفسه.

لا شكّ في أنّ أوّل ما عرفه هذا الكائن في تحسّسه الوجود أنّه صرخ فبكى ونطق، وربّما ضحك من سخرية قدره، لأنّ كلّ هذه الكلمات قد لا تكفي حيناً من الدهر لتعبّر عن خلجة شعور واحدة، وهذا النقاء الأسمى. قبل أن يخرج من طور الفرد الواحد إلى شرانق الجماعة ذات الصيغ الاجتماعيّة المرهقة بفيزياء القوّّة الماديّة والمشبعة بالقيود الروحيّة والفلسفيّة، الخاضعة لقدسية النصوص الدينيّة والاعتقاديّة غير القابلة في أغلب الأحوال للتأويل أو التفسير والمتسمّرة تصنّعاً بتمجيد الأخلاقيّات. التعرّج في المسير باعتقاده ليس قدراً محتوماً، لكنّه سُنّة الحياة القاهرة، قد أصاب فعلاً من تنبّأ في الحديث عن القدر “أنّك لا تستطيع العودة إلى تغيير البداية، ولكن قد تتمكن إذا بدأت من تغيير النهاية”، هذه هي جدلية الفهم المستحيل بالرغم من بساطة هذا الوجود الإنسانيّ المعقّد، فإنّ هذا العالم المترامي الأبعاد، الممتدّ أبعد من استطاعة الإدراك الماديّ يمكن اختصاره بالإحاطة الفكريّة البسيطة الحاكمة للعلاقة بين العقل والقلب، وبين الواقع والعاطفة، وبين المنطق والهوى، فيصبح اكتظاظ الكلمات العدديّة وتزاحمها ذات اللغات المتنوّعة والألفاظ المختلفة في هذا العالم، محصورة في التعبير عن أحاسيس متشابهة ومشاعر ورغبات متجانسة، تختصر هذا الكون الذي تجمعه قواسم حسيّة بسيطة ذات تشابه شديد الاختلاف في الميول والنزعات التى هي سمة سمات الإنسان الذي يعيش المستقبل في عمق تفاصيل الماضي ويغيب عن باله أو إدراكه حضور الحاضر.

الإنسان يتوهّم أنه يعيش مرّة واحدة من أجل الآخرة، وهو فعلاً يموت مرّات من أجل البقاء على سكّة الحياة، التى ينساها من شدّة تعلّقه بها، ولا ينسى الموت أبداً من كثرة السعي إلى تجاهله.

الإنسان عبد ضعيف في حريّته وعبد سقيم منقاد في حبّه، وعبد مكتمل عناصر العبوديّة في الانصياع إلى فكره الجامح إزاء عقدة الامتلاك التى يصاب بها المرء على شاكلة تضخّم الأنا. لقد خلق هذا الكون من أجلي وحدي، وأنا خلقت من أجلي أنا… “أتحسب أنّك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر”، كما اختصره إمام البلاغة علي بن أبي طالب، وأنا أستدرك على هامش الحياة تشاؤم كافكا: “كنت دائماً أضيئك كيف استطعت إطفائي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce