
تعميم الداخلية السورية يفتح اختبارًا حقيقيًا: هل يتغيّر موقع الأمن في المجتمع؟
تعميم الداخلية السورية يفتح اختبارًا حقيقيًا: هل يتغيّر موقع الأمن في المجتمع؟
أعاد التعميم الصادر عن وزارة الداخلية السورية، والذي يمنع دخول العناصر الأمنية المسلحة إلى المستشفيات والجامعات والمدارس ودور العبادة والمرافق العامة والفنادق المصنّفة، ويحظر تنفيذ الاعتقالات داخلها، فتح نقاش واسع حول طبيعة العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمجتمع، وما إذا كان هذا الإجراء يشكّل بداية تحول فعلي أم مجرد خطوة إدارية محدودة التأثير.
ورغم أن التعميم لا يُنتظر منه إحداث تغيير فوري في الواقع القائم، إلا أن صدوره بحد ذاته يحمل دلالة قانونية وسياسية غير مسبوقة، إذ يعكس اعترافًا رسميًا بوجود تجاوزات سابقة داخل مؤسسات مدنية لطالما افتقدت الحماية الفعلية. هذا الاعتراف، وإن جاء بصيغة إدارية، يمكن أن يشكّل مدخلًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الأمن والمجتمع، شرط ألا يبقى حبيس الورق.
تاريخيًا، لم تكن النصوص الدستورية في سوريا كافية لضمان الحرية الشخصية أو حماية حرمة المؤسسات والمساكن. فعلى الرغم من تضمين الدستور مواد تؤكد هذه الحقوق، جرى عمليًا تقويضها عبر منظومة تشريعية استثنائية منحت الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة في التوقيف والحصانة من الملاحقة، ما حوّل الضمانات الدستورية إلى نصوص معطّلة أمام واقع أمني متغوّل.
في هذا السياق، يمنح التعميم الجديد المؤسسات المشمولة به غطاءً رسميًا للاعتراض على أي تدخل أمني أو اعتقال يتم داخلها من دون مسوّغ قانوني واضح، ويحدّ، نظريًا، من مشروعية الاعتقالات العشوائية في هذه الأماكن. غير أن فعالية هذا الإجراء تبقى مرهونة بكيفية تطبيقه، خصوصًا في ظل تضمّنه عبارات فضفاضة مثل «حالات الضرورة القصوى»، وهي صياغات تفتح الباب أمام تأويلات واسعة قد تُعيد إنتاج الانتهاكات ذاتها تحت غطاء الاستثناء.
ويبرز هنا التحدي الأساسي: تحويل التعميم من إجراء إداري قابل للتجاوز إلى التزام ثابت تحكمه قواعد دستورية وقانونية واضحة، تُقيّد السلطة التقديرية للأجهزة الأمنية وتحدّد بدقة الحالات التي يُسمح فيها بالتدخل المسلح أو تنفيذ الاعتقالات داخل المؤسسات المدنية، وبأمر قضائي مسبق لا لبس فيه.
كما أن أي مسار إصلاحي فعلي يفترض مرافقة هذا التوجه بإجراءات تشريعية تُعرّف المسؤوليات الفردية لعناصر الأمن وقياداتهم، وتضع آليات مساءلة واضحة وعقوبات رادعة في حال خرق حرمة المؤسسات أو تنفيذ توقيفات غير قانونية. فغياب المحاسبة يبقي النصوص عرضة للتعطيل، مهما بلغت دقتها.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك إنشاء آليات رقابة مستقلة وفاعلة، تتيح تلقي الشكاوى، والتحقيق في التجاوزات، ونشر تقارير علنية حول مدى التزام الأجهزة الأمنية بالقانون. فمن دون رقابة خارجية، يبقى خطر تحوّل أي إصلاح إلى شعار سياسي قائمًا.
في المحصلة، يتجاوز التعميم مسألة تنظيم دخول عناصر الأمن إلى المرافق المدنية، ليطرح سؤالًا أعمق حول وظيفة الأجهزة الأمنية ودورها في المجتمع. فإما أن يكون خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن كجهاز لحماية المواطنين وحقوقهم، أو أن يبقى إجراءً شكليًا لا يمسّ جوهر العلاقة القائمة على منطق السيطرة لا الخدمة. والفيصل بين الاحتمالين يبقى في الانتقال من التعميم إلى القانون، ومن النص إلى الممارسة.



