مقالات

تقارب سعودي–تركي يعيد رسم خرائط الاستثمار والطاقة في المنطقة

تقارب سعودي–تركي يعيد رسم خرائط الاستثمار والطاقة في المنطقة

فرضت التحولات المتسارعة في الإقليم إعادة تقييم واسعة للعلاقات بين الدول ذات المصالح المتشابكة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وتركيا، في ظل التطورات المتلاحقة في سوريا، والتغيرات الداخلية في إيران، واتساع هامش الحضور الإسرائيلي بما ينعكس مباشرة على التوازنات الإقليمية. هذا الواقع دفع الرياض وأنقرة إلى تعزيز تقاطعهما السياسي والاقتصادي، في مسعى مشترك لترسيخ الاستقرار وحماية مصالحهما الاستراتيجية، وسط سعي سعودي لتكريس دورها العربي، ورغبة تركية في تحصين نفوذها الإقليمي.

ويأتي هذا التقارب في وقت يشهد فيه التعاون الاقتصادي بين البلدين زخماً متزايداً، تُرجم بانعقاد منتدى الاستثمار السعودي–التركي في الرياض، بالتزامن مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمملكة بدعوة رسمية من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ويهدف هذا المسار إلى توسيع حجم التبادل التجاري، وتعميق الشراكات بين القطاعين الخاصين، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمارات المشتركة، بالتوازي مع تكثيف المشاورات السياسية حول ملفات إقليمية حساسة، أبرزها غزة وسوريا.

وسجّل حجم التبادل التجاري بين الرياض وأنقرة نحو 8 مليارات دولار خلال عام 2025، فيما تجاوزت الاستثمارات التركية المباشرة في المملكة ملياري دولار، موزعة على قطاعات الصناعة والعقار والبناء والزراعة والتجارة. كما تخطت قيمة المشاريع التي نفذتها الشركات التركية في السعودية 32 مليار دولار، في مؤشر واضح إلى عمق التعاون الاقتصادي، مع طموح مشترك لرفع حجم التجارة البينية إلى 30 مليار دولار خلال السنوات المقبلة. ولم يقتصر التعاون على القطاعات المدنية، بل امتد إلى الصناعات الدفاعية، حيث تسعى المملكة إلى رفع نسب التوطين ونقل التكنولوجيا إلى ما يفوق 50 في المئة.

وفي موازاة ذلك، يحتل ملف النفط والغاز موقعاً محورياً في العلاقة بين البلدين، خصوصاً في ظل إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية العالمية، وتراجع الإمدادات الروسية، وتشديد الولايات المتحدة قبضتها على أسواق الطاقة. هذا الواقع دفع تركيا إلى تسريع تعاونها مع السعودية لضمان استقرار التوريد وحماية مسارات الطاقة، بعيداً من التقلبات السياسية والعقوبات الدولية، وهو ما يعزز موقع المملكة كمورد موثوق وآمن للطاقة.

ومع تراجع اعتماد أوروبا على النفط الروسي، تبرز تركيا كحلقة وصل محتملة لتعزيز حضور النفط السعودي في الأسواق الأوروبية، سواء عبر التخزين أو من خلال توسيع مشاريع الصناعات البتروكيماوية المشتركة. ويزداد هذا الدور أهمية في ملف الغاز، إذ تمتلك السعودية أحد أكبر احتياطيات الغاز عالمياً، في وقت تبحث فيه أوروبا عن بدائل مستقرة لوارداتها، وسط تحذيرات أوروبية من الإفراط في الاعتماد على الغاز الأميركي.

وفي هذا السياق، تطمح أنقرة إلى لعب دور محوري في نقل الغاز السعودي إلى أوروبا، مستندة إلى بنيتها التحتية المتقدمة من موانئ وخطوط أنابيب، فيما تعمل المملكة على رفع إنتاجها من الغاز بأكثر من 60 في المئة بحلول عام 2030، إلى جانب توسيع استثماراتها في الطاقة المتجددة، ولا سيما الهيدروجين الأخضر. وتبرز مشاريع استراتيجية في هذا الإطار، من بينها مشروع «نيوم» لإنتاج الهيدروجين الأخضر، ومشروع «ينبع» على ساحل البحر الأحمر.

ويعكس هذا المسار أن التعاون السعودي–التركي يتجاوز الأبعاد الاقتصادية البحتة ليطال توازنات الطاقة والنفوذ السياسي، حيث تقدم المملكة نفسها لاعباً مستقلاً وموثوقاً في سوق الطاقة العالمية، فيما تعزز تركيا موقعها الإقليمي من خلال شراكة استراتيجية مع قوة اقتصادية محورية في المنطقة، في إطار مقاربة تقوم على المصالح المتبادلة وتعدد مسارات التعاون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce