
سوريا بين قرارات المعيشة والاحتقان الاجتماعي: واقع اقتصادي يسبق أي وعود
سوريا بين قرارات المعيشة والاحتقان الاجتماعي: واقع اقتصادي يسبق أي وعود
تكشف التحركات الاحتجاجية المتفرقة في عدد من المناطق السورية عن فجوة متسعة بين القرارات الحكومية والواقع المعيشي القاسي، في وقت يبدو فيه الخطاب الرسمي عاجزًا عن ملامسة جوهر الأزمة الاقتصادية التي تثقل كاهل الغالبية الساحقة من السوريين. فبرغم محدودية حجم الاحتجاجات الأخيرة اعتراضًا على رفع تسعيرة الكهرباء، إلا أن تفاعل الإعلام الرسمي معها عكس حساسية السلطة تجاه أي تعبير شعبي، حيث لجأت بعض المنابر الحكومية إلى السخرية من المحتجين وتصويرهم كأفراد يفتقرون للفهم الاقتصادي، بدل الانخراط الجدي في معالجة أسباب الاعتراض.
وتبرز أزمة الكهرباء كأحد أكثر الملفات إثقالًا للأسر محدودة الدخل، إذ باتت فاتورة الاستهلاك الشهري العادي توازي أو تتجاوز الحد الأدنى للأجور، في ظل رواتب تستنزف نسبة كبيرة منها أصلًا في تكاليف المواصلات داخل المدن أو بين المحافظات. وتزداد الصورة قتامة لدى العاملين الذين أُجبروا على التنقل أو العودة إلى محافظات عملهم السابقة، كما في حال عدد من المعلمين والمعلمات في اللاذقية وطرطوس، الذين وجدوا أنفسهم أمام أعباء مالية تفوق قدرتهم على الاحتمال، ما دفعهم إلى التحرك احتجاجًا على قرارات إدارية تمس استقرارهم المعيشي.
ولا تقتصر مشاهد الاعتراض على قطاع واحد، إذ امتدت إلى أصحاب البسطات الذين خرجوا احتجاجًا على منع مصدر رزقهم، في مشهد يعكس هشاشة شريحة واسعة تعتمد على أعمال يومية بسيطة للبقاء. وفي موازاة ذلك، برز مشهد آخر لا يقل دلالة، تمثّل بازدحام لافت أمام مراكز التجنيد في بعض المناطق، حيث دفع التدهور الاقتصادي عددًا كبيرًا من الشبان إلى البحث عن أي مصدر دخل ثابت، ولو عبر الانخراط في المؤسسات العسكرية.
في المقابل، تبرّر الجهات الرسمية قراراتها الاقتصادية بمقارنتها بالأسعار العالمية وتكاليف الإنتاج، إلا أن هذه المقارنات تبدو منقوصة، إذ تُغفل الفارق الكبير في متوسط الدخل ومستويات الدعم الاجتماعي. ففي العديد من الدول، حتى تلك التي تعتمد اقتصاد السوق، لا تشكّل فواتير الخدمات الأساسية عبئًا خانقًا على الفئات الفقيرة، نتيجة وجود آليات دعم تقلّص الفجوة بين الدخل والإنفاق، وهو ما يفتقده الواقع السوري حاليًا.
وتشير المؤشرات الميدانية إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في رفع الأسعار، بل في غياب توازن حقيقي بين الأجور وكلفة المعيشة، في ظل أشكال مختلفة من الاحتكار، سواء بفعل القوانين أو بحكم الأمر الواقع، ما يحرم الاقتصاد من أبسط مقومات العدالة. وتبدو القرارات المتخذة منفصلة عن السياق الاجتماعي، الأمر الذي يفاقم الشعور بالظلم ويغذّي حالة الإحباط العام.
كما ساهمت موجة التفاؤل الرسمي، المبنية على وعود بتحسن سريع أو على اتفاقات استثمارية لم تظهر نتائجها، في تعميق الفجوة بين التوقعات والواقع. فالترويج المتكرر لإجراءات لم يلمس المواطن أثرها الفعلي، سواء عبر حملات تبرع أو الحديث عن تخفيف العقوبات، عزّز الشكوك بغياب خطة اقتصادية واضحة المعالم، يمكن أن تمنح المواطنين أفقًا زمنيًا معقولًا لتحسن أوضاعهم.
وتشير تقارير دولية إلى أن غالبية السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما تواجه نسبة كبيرة منهم خطر الجوع وفق المعايير المعتمدة، ما يجعل الحديث عن تقليص الدور الاجتماعي للدولة منفصلًا عن الواقع. فالدولة، في مثل هذه الظروف، لا يمكن أن تُدار بعقلية التاجر، بل تبقى مسؤولة عن تأمين الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي، تجنبًا لانفجارات اجتماعية يصعب احتواؤها.
ويحذّر مراقبون من أن استمرار تجاهل هذه المؤشرات قد يؤدي إلى تصعيد غير متوقع، إذ إن الاحتجاجات الحالية، رغم سلميتها ومحدوديتها، قد تكون مقدمة لاحتقان أوسع. كما أن لجوء الشباب إلى المؤسسات العسكرية بدافع الحاجة المعيشية يعكس خللًا بنيويًا، لا يمكن معالجته إلا بتحسين شروط الحياة والعمل، لا عبر مزيد من القرارات التي تثقل كاهل الفئات الأضعف.



