مقالات

خلاف صامت داخل الثنائية الشيعية يطرح سؤال التمثيل: من يملك القرار في مستقبل الطائفة؟

خلاف صامت داخل الثنائية الشيعية يطرح سؤال التمثيل: من يملك القرار في مستقبل الطائفة؟

ليس مستجداً أن تنشأ تباينات بين الحلفاء في السياسة اللبنانية، لكن اللافت في الواقع الشيعي أن أي خلاف، حين يظهر، يبقى محاطاً بالكتمان، ويُدار عبر إشارات غير مباشرة وتسريبات محسوبة ونبرة خطاب متبدلة، من دون أن يبلغ حد المواجهة العلنية. غير أن ما يجري اليوم يتجاوز تفاصيل تقنية أو خلافات عابرة، ليصل إلى عمق النقاش حول مفهوم التمثيل السياسي للطائفة الشيعية، ومن يملك حق التعبير عنها داخل الدولة وفي مسار لبنان المقبل.

على مدى سنوات طويلة، نجح التحالف الشيعي في تقديم نفسه كجسم سياسي متماسك، بقرار واحد وصوت موحّد، لكن هذا التماسك يخفي في داخله تمايزاً في مصادر القوة وأدوات النفوذ. فثمة من يستند إلى فائض القوة والتنظيم والخطاب العقائدي، مقابل من يستند إلى مؤسسات الدولة وآلياتها الدستورية وشبكة العلاقات التي يوفّرها موقع رئاسة مجلس النواب. هنا، لا يتعلق الخلاف بمبدأ التحالف بقدر ما يتصل بمكان إنتاج الشرعية السياسية، بين من يراها نابعة من الدولة، ومن يعتبرها نتاج مشروع يتجاوز حدودها.

يمثّل حزب الله قوة مؤثرة قادرة على فرض معادلات سياسية وأمنية، فيما يجسّد رئيس مجلس النواب نبيه بري نموذج رجل الدولة القادر على إدارة التوازنات داخل النظام اللبناني، والتحكم بمفاصل التشريع والتفاوض. هذا التباين لا يعني انقساماً في الخيارات الكبرى، لكنه يعكس اختلافاً في المقاربة: خطاب تعبوي واسع العناوين مقابل ممارسة سياسية غارقة في التفاصيل، من جلسات وتشريعات وتسويات ومخارج دستورية.

في هذا السياق، يبرز تمسك بري بدور البرلمان والمؤسسات الدستورية كمرجعية أساسية لتمثيل الطائفة، ورفضه أي صيغة تكرّس شراكة متكافئة داخل الطائفة على حساب دور الدولة. فبالنسبة إليه، يجب أن تبقى الشرعية الرسمية محصورة بالمؤسسات، فيما يشكّل الحزب قوة داعمة لا بديلاً عن النظام. ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية في ظل التحولات الإقليمية، حيث يسعى بري إلى تثبيت موقعه بوصفه الضامن الأساسي لحضور الشيعة داخل الدولة، أياً تكن تبدلات موازين القوى.

في المقابل، يعتمد الحزب خطاباً سياسياً يركّز على القضايا الكبرى، من الصراع مع إسرائيل إلى البعد الإقليمي والرمزي لدوره، لكنه يواجه تحديات حين يدخل في تفاصيل الإدارة وشؤون الدولة اليومية. هذا الفارق في اللغة السياسية يعكس اختلافاً في الرؤية، لا في الهدف النهائي، لكنه يفتح باب التساؤل حول من يمتلك فعلياً مفاتيح القرار داخل الطائفة.

ومع بروز ضغوط داخلية وخارجية، وظهور شرائح اجتماعية جديدة داخل البيئة الشيعية متأثرة بالانهيار الاقتصادي وفقدان الثقة، يصبح احتكار التمثيل موضع تساؤل. فهذه الفئات، وإن لم تتحول بعد إلى قوة منظمة، تعكس مزاجاً مختلفاً يراقب أي تصدّع داخل التحالف القائم، ويعيد طرح سؤال الشرعية والتمثيل.

في المحصلة، لا يبدو الخلاف القائم مرشحاً للانفجار في المدى المنظور، إذ لا تزال مصلحة الطرفين تفرض الحفاظ على الحد الأدنى من التفاهم. إلا أن ما يجري يشكّل مؤشراً واضحاً إلى مرحلة سياسية جديدة، حيث لم يعد النقاش محصوراً بتقاسم النفوذ، بل بات مرتبطاً بتحديد صورة الطائفة ودورها في دولة تتغير ملامحها سريعاً. وبين حصة آنية ومستقبل طويل الأمد، يظل السؤال مفتوحاً: من يرسم ملامح التمثيل الشيعي في لبنان الآتي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce