اقلام حرة

وجهان متقابلان لعملةٍ واحدة

وجهان متقابلان لعملةٍ واحدة

كتب انطوان منسى:

ينطلق هذا الصباح المؤتمر العالمي الرابع والعشرون للاتحاد الثقافي اللبناني العالمي (WLCU)، في أحد الفنادق الكبرى بمدينة غلينديل في لوس أنجلِس – الولايات المتحدة الأميركية. ويتوافد ممثلو المجالس العالمية المنتشرة في عدد من دول العالم، بحماسةٍ لافتة، للمشاركة في هذا اللقاء الذي ينعقد في أجواء هادئة، مدفوعين بقناعة راسخة بأن هدفهم الأوحد هو تمثيل وطنهم الأم وخدمته.

في المقابل، لا تزال الساحة اللبنانية غارقة في صراعاتها، فيما يعجز المسؤولون السياسيون عن إيجاد مخرج من النفق المظلم. الأزمات تتوالى وتتراكم، في مشهدٍ يعكس تباينًا صارخًا بين جمعيتين تبدوان وكأنهما لا تنتميان إلى العالم نفسه.

ففي لبنان، تحوّل المشهد الهزلي للنواب الذين تعاقبوا، في الأيام الأخيرة، على منبر البرلمان للتصويت على موازنة عام 2026، إلى مجرّد «عرضٍ باهت»، نقلته شاشات التلفزة كافة، وبُثّ مباشرة إلى الداخل اللبناني وإلى بلدان الاغتراب.

بعض الوجوه التي ظهرت على الشاشات، والتي لم تغب أحزابها عن المجلس النيابي منذ عقود، لم تجد أفضل من تحميل الآخرين مسؤولية الانهيار المالي الكارثي الذي أودى بالبلاد إلى قعر الهاوية. بل ذهبوا أبعد من ذلك، إذ غسلوا أيديهم من أي ذنب، ووجّهوا سهامهم نحو رئيس الجمهورية الحالي ورئيس الحكومة وفريقه، مع أن وجودهم في سدّة المسؤولية لا يتجاوز بالكاد عامًا واحدًا.

ويا لفرط الوقاحة، إذ راحوا، في محاولة لتكفير خطايا الماضي، يتخبّطون في حركاتهم ويتلاعبون بالألفاظ، ينسجون الأوهام، يكررون أنفسهم بلا طائل، ولا يبحثون في النهاية إلا عن كبش فداء. مشهد يتجدّد فيه افتقارهم إلى الحسّ بالمسؤولية والكفاءة والحنكة؛ فبعضهم يكتفي بتلاوة نصّ محفوظ، وآخرون ينفّذون تعليمات جاهزة، متقمّصين دور الخطباء المفوّهين. قدّاسٌ سياسيٌّ كبير، سيّئ الإعداد، يغرق الجمهور في مللٍ ممزوج بالازدراء، تجاه نواب يرفضون مواجهة الحقيقة — حقيقتهم — والاعتراف، بتواضع، بأنهم المسؤولون الأوائل عن الكارثة، وأن لا جدوى من البحث عن أسبابها في مكانٍ آخر.

وفي خضمّ هذا المشهد العبثي، الذي تكاد نتائجه تكون معروفة سلفًا، يغيب أي تطرّق شجاع إلى قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 113 منه، التي تنصّ بوضوح على التزام الدولة بتسديد كامل ديونها لمصرف لبنان، ما يبرّئ المودعين من أي مسؤولية. على أن يُصار لاحقًا، بطبيعة الحال، إلى فتح باب الملاحقات القضائية ومحاسبة كل من قصّر أو أخلّ بواجباته.

غير أنّ جوهر القضية، قلبها النابض، يُتعمّد تجاهله بجبنٍ فاضح.

 

لم يعد أحدٌ اليوم بعيدًا عمّا يجري،

ولا سيّما أعضاء مؤتمر لوس أنجلِس المقيمين في الخارج، الذين يتابعون بمرارة كل ما يحدث في الوطن. كيف يمكن، مثلًا، أن نطلب منهم نسيان الطريقة المشينة التي جرى بها التعامل مع قانون الانتخابات، وهو لا يزال حتى اليوم بلا آلية واضحة ومحددة؟

المغتربون، الذين تتعفّن أموالهم في مصارف لبنان، لا يعرفون اليوم كيف سيصوّتون، ولا متى سيصوّتون، ولا حتى لمن سيصوّتون في نهاية المطاف. بل إنهم باتوا يشكّكون أصلًا في ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى أم لا.

إنّ الاعتداءات المتكرّرة، منذ عام 2015، على النظام المصرفي وعلى مصرف لبنان، ساهمت بشكل مباشر وكامل في الانهيار المالي. وكان استهداف المؤسسة الأخرى، أي الجيش، ضمن مخططات تلك الحملات الموجّهة والمنسّقة. ولحسن الحظ، فشلت هذه المحاولة هذه المرّة، بعد انتخاب القائد السابق للجيش رئيسًا للجمهورية.

مشهدٌ حزينٌ يتكرّر صباحًا ومساءً، يتمثّل في المعلمين والمتقاعدين من الجيش، الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، ليجدوا أنفسهم اليوم محرومين، يفترشون محيط البرلمان دفاعًا عن حقّهم في حياة كريمة، فيما تواصل المصارف معاملتهم بأسلوب مهين وفاضح.

وحين لا يُنصف هؤلاء المتألّمون، فلا ينبغي أن نستغرب اهتزاز الأمن وتداعي النظام التربوي.

اللهم احمِ لبنان وشعبه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce