
الموازنة تُقَرّ رغم اعتراضاتها: أرقام مُجمّلة وعدالة ضريبية غائبة
الموازنة تُقَرّ رغم اعتراضاتها: أرقام مُجمّلة وعدالة ضريبية غائبة
الموازنة تُقَرّ رغم اعتراضاتها: أرقام مُجمّلة وعدالة ضريبية غائبة
أُقِرّت موازنة عام 2026 بعد نقاشات مطوّلة في مجلس النواب امتدّت على ست جلسات خلال ثلاثة أيام، طغى عليها الخطاب السياسي والإنشائي أكثر مما حضرت المعالجة الفعلية للأرقام والخيارات المالية. وعلى الرغم من تسجيل مداخلات محدودة حاولت مقاربة جوهر الموازنة وتقديم بدائل عملية، فإن النتيجة النهائية لم تشهد تعديلات جوهرية، ليصار إلى إقرار المشروع بعلله المعروفة، وإن كانت أقل حدّة مقارنة بموازنات سابقة، تحت ضغط الحاجة المالية والظرف الاقتصادي.
في صدارة هذه العلل، يبرز الخلل البنيوي في بنية النظام الضريبي، حيث واصلت الدولة اعتماد سياسات تحميل العبء الأكبر على أصحاب الدخل المحدود، مقابل تخفيف الضغط عن الأرباح. فقد أظهرت أرقام الموازنة ارتفاعًا كبيرًا في حصيلة الضرائب على الرواتب والأجور وعلى رسوم الميكانيك، مقابل تراجع ملحوظ في ضريبة الدخل على الأرباح، ما يعمّق فجوة اللاعدالة الضريبية ويكرّس اختلالًا اجتماعيًا متفاقمًا.
وتقدَّر النفقات الإجمالية للموازنة بنحو ستة مليارات دولار، يذهب القسم الأكبر منها إلى نفقات تُصنَّف أساسية. وتستحوذ الرواتب والأجور والتعويضات على ما يفوق نصف هذا الإنفاق، فيما تتوزع بقية النفقات على مصاريف تشغيل الإدارات العامة، من كهرباء وإيجارات ونقل وصيانة وخدمات تشغيلية أخرى. غير أن هذه الأرقام تبقى شكلية إلى حدّ بعيد، إذ لا تعكس الكلفة الحقيقية للإنفاق العام نتيجة احتسابها على أسعار صرف مختلفة، ما يؤدي عمليًا إلى إخفاء العجز الفعلي وتضليل صورة المالية العامة.
ويُعدّ تعدّد أسعار الصرف من أبرز نقاط الضعف التي لازمت الموازنات منذ عام 2019، إذ تعتمد الدولة أسعارًا مختلفة لاحتساب الإيرادات والنفقات. ففي حين تُحتسب غالبية الإيرادات الضريبية على أساس أسعار صرف مرتفعة، تُحتسب الرواتب والأجور وتعويضات نهاية الخدمة على السعر الرسمي القديم، ما يسمح بتضخيم الإيرادات وخفض النفقات على الورق، وتقديم صورة وهمية عن توازن مالي غير موجود فعليًا.
هذا الواقع كان أحد العوامل الرئيسية التي فجّرت موجة الاعتراضات والتحركات المطلبية المتزامنة مع مناقشة الموازنة، حيث نزل إلى الشارع موظفو القطاع العام، من معلمين ومتعاقدين وعسكريين متقاعدين وإداريين، اعتراضًا على تآكل رواتبهم وغياب أي معالجة عادلة لحقوقهم. وتُظهر هذه التحركات أن أزمة الرواتب والتعويضات لم تعد مسألة تقنية، بل تحوّلت إلى أزمة اجتماعية مفتوحة على احتمالات تصعيد إضافي.
ورغم الحديث الرسمي عن «تصفير العجز»، فإن الموازنة لا تعترف فعليًا بوجود عجز حقيقي، مستندة إلى تقديرات غير واقعية للواردات، ومتجاهلة استحقاقات أساسية في النفقات، أبرزها كلفة الدين العام وزيادات الرواتب التي جرى ترحيل البت بها إلى مشروع قانون منفصل. ويزداد المشهد تعقيدًا في ظل غياب قطع حساب للسنوات السابقة، ما يحول دون التدقيق الجدي بالأرقام ويضع الموازنة موضع تشكيك دستوري.
إلى جانب ذلك، تتجاهل الموازنة مصادر إيرادات أساسية لا تزال خارج دائرة الاستفادة الفعلية، في مقدّمها الأملاك العامة البحرية، التي تشهد تعديات واسعة تحرم الخزينة من موارد ضخمة. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن الدولة لا تجبي سوى جزء ضئيل مما يمكن تحصيله سنويًا من هذه الأملاك، ما أدى إلى خسائر تراكمية بمليارات الدولارات على مدى عقود.
ولا يختلف الحال في قطاعات أخرى، كالاتصالات والكسارات والمقالع، إضافة إلى ملف إيجارات الإدارات العامة، حيث تُنفق الدولة سنويًا عشرات ملايين الدولارات على استئجار مبانٍ، في ظل عقود مرتفعة الكلفة تفتقر إلى الشفافية والمعايير الواضحة، وتثير تساؤلات جدية حول سوء إدارة المال العام وتضارب المصالح.
وفي المحصلة، تكشف موازنة 2026 عن استمرار النهج القائم على معالجة شكلية للأزمة المالية، من دون الذهاب إلى إصلاحات جذرية أو تفعيل مصادر الإيرادات المهدورة. وبينما تمتلك الدولة إمكانات كفيلة بتعزيز مواردها وتمويل حقوق العاملين والإصلاحات المطلوبة، يبقى الخيار السياسي غائبًا، وتستمر الموازنات في إنتاج أزمات مؤجلة بدل حلول مستدامة.



