
ضغط دولي متصاعد على لبنان لنزع السلاح: تجاوز تثبيت وقف النار وفرض معادلة جديدة
ضغط دولي متصاعد على لبنان لنزع السلاح: تجاوز تثبيت وقف النار وفرض معادلة جديدة
يتصاعد في المرحلة الأخيرة التباين بين الموقف الرسمي اللبناني الذي يؤكد التمسك بتطبيق القرار الدولي 1701، وبين توجه متزايد لدى المجتمع الدولي يدعو صراحة إلى نزع السلاح غير الشرعي وحصر القوة العسكرية بيد الدولة، في تحول واضح من إدارة الاستقرار إلى السعي لفرض تغيير جذري في المعادلة الأمنية والسياسية في لبنان.
وفي ظل استمرار الغارات الإسرائيلية جنوباً وشمال نهر الليطاني، تحاول السلطات اللبنانية تثبيت التزامها بالقرار 1701 الصادر عام 2006 والمعدل لاحقاً، من خلال التأكيد على انتشار الجيش اللبناني على طول الخط الأزرق والتنسيق القائم مع قوات «اليونيفيل»، بهدف منع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
ويكرر رئيس الجمهورية جوزيف عون في مواقفه أن لبنان ملتزم وقف إطلاق النار واحترام تعهداته الدولية، في محاولة للحفاظ على الإطار القائم منذ نهاية حرب تموز، غير أن هذه المقاربة لم تعد تلقى صدى إيجابياً لدى العواصم الغربية، التي باتت ترى أن الاكتفاء بتثبيت الهدوء لم يعد كافياً.
وتشير مواقف أميركية وأوروبية أخيرة إلى انتقال المجتمع الدولي من سياسة احتواء التوتر إلى الضغط باتجاه توحيد السلاح تحت سلطة الدولة اللبنانية، خصوصاً بعد الخطوات الميدانية التي نفذها الجيش في الجنوب، ما وضع لبنان أمام استحقاق سياسي وأمني بالغ الحساسية.
ويرى النائب السابق فارس سعيد أن المجتمع الدولي بات يتعامل بوضوح مع مسألة نزع السلاح في لبنان، مشيراً إلى وجود جدول زمني غير معلن يطال كل السلاح غير الشرعي، وفي مقدمته سلاح «حزب الله»، وليس فقط ما هو منصوص عليه جنوب الليطاني في إطار القرار 1701. ويؤكد أن السلطات اللبنانية على دراية بهذه المهل، محذراً من أن أي تأخير في التعامل معها قد يعرّض البلاد لمخاطر جسيمة.
ويعتبر سعيد أن المقاربة الدولية انتقلت من تنظيم الوضع الأمني في الجنوب إلى المطالبة الصريحة بتطبيق قرارات تنص على نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، معتبراً أن هذا التحول يعكس إرادة دولية حاسمة لإنهاء تأثير السلاح على الحياة السياسية. ويضيف أن التصعيد الخطابي الذي يعتمد عليه «حزب الله» لا ينسجم مع الواقع القائم، في ظل عجزه عن خوض مواجهة عسكرية واسعة، وسط انقسامات داخلية بين من يراهن على مسارات تفاوض إقليمية ومن يبحث عن تسوية عربية.
ويشير إلى أن تعثر تطبيق القرار 1701 خلال السنوات الماضية يعود إلى استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة وتغلغله في النظام السياسي، مؤكداً أن لبنان لم يعد يملك ترف الوقت، وأنه بات مطالباً بالدخول في مفاوضات شاملة برعاية دولية لمعالجة الملفات العالقة وفق منطق الدولة ومصالحها الوطنية.
في المقابل، يرى أستاذ القانون الدولي علي مراد أن الدولة اللبنانية تجد نفسها في موقع دفاعي في ظل موازين قوى تبدلت بعد الحرب الأخيرة، مشيراً إلى أن إسرائيل تجاوزت عملياً آلية الخطوة مقابل خطوة التي حاولت الحكومة اللبنانية ترسيخها عقب وقف إطلاق النار. ويؤكد أن التغيرات الإقليمية، ولا سيما سقوط النظام السوري، أضعفت قدرة «حزب الله» على الرد، ما جعل تفسير القرار 1701 كما كان قائماً عام 2006 غير قابل للتطبيق في الظروف الراهنة.
ويعتبر مراد أن عدم تنفيذ بنود نزع السلاح في حينه أدى إلى تعقيد أي محاولة لاحقة للتطبيق، لافتاً إلى أن وقف إطلاق النار بصيغته السابقة لم يعد ممكناً، في ظل واقع سياسي وأمني أكثر تشابكاً. ويشدد على أن قبول لبنان بالتفاوض غير المباشر يفرض عليه الدفاع عن مصالحه الوطنية بوضوح، من خلال المطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وعودة الأسرى، وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
ويخلص مراد إلى أن القرار 1701 بصيغته الأصلية لم يعد قائماً عملياً، وأن الواقع تجاوز حتى نسخته المعدلة، داعياً الدولة اللبنانية وكل القوى السياسية، وفي مقدمتها «حزب الله»، إلى التعامل بواقعية مع موازين القوى الحالية، بعيداً عن الإنكار أو الهروب إلى الأمام.



