
لبنان في قلب صراع النفوذ: تنافس إسرائيلي–فرنسي خفي على شرق المتوسط وترتيب موازين القوة
لبنان في قلب صراع النفوذ: تنافس إسرائيلي–فرنسي خفي على شرق المتوسط وترتيب موازين القوة
يتجاوز التوتر المتصاعد بين إسرائيل وفرنسا على الساحة اللبنانية حدود الخلافات الدبلوماسية الظاهرة، ليعكس، وفق قراءات سياسية وأمنية، صراعًا أوسع على النفوذ وترتيب موازين القوة في شرق البحر المتوسط. ويُنظر إلى لبنان في هذا السياق بوصفه ساحة اختبار ضمن منافسة إقليمية ودولية تتقاطع فيها أدوار الولايات المتحدة والسعودية وملفات الطاقة والأمن الإقليمي.
وتشير تحليلات متخصصة إلى أن المساعي الإسرائيلية لتقليص الدور الفرنسي في لبنان لا يمكن فصلها عن إعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة، لا سيما في ظل المقاربة التي تعتمدها الإدارة الأميركية الحالية. ووفق هذه الرؤية، تعمل تل أبيب منذ أسابيع على تحجيم الحضور الفرنسي داخل اللجنة المشرفة على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، في خطوة تُقدَّم على أنها جزء من مسار أوسع لإعادة ترتيب الوسطاء وآليات التأثير.
وترتبط هذه الخطوة، بحسب التقديرات، بالتقارب المتنامي بين باريس والرياض خلال السنوات الأخيرة، وهو تقارب لم يقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل امتد إلى ملفات سياسية حساسة، من بينها دعم مبادرات دولية مرتبطة بالقضية الفلسطينية، ما أثار استياءً إسرائيليًا واضحًا في مراحل سابقة.
وقد ظهر هذا التوتر إلى العلن في سجالات سياسية حادة، تبادلت خلالها تل أبيب وباريس الاتهامات، قبل أن تؤكد فرنسا تمسكها بدورها في مكافحة الإرهاب ورفضها لما اعتبرته اتهامات مسيئة، في وقت شددت فيه على ضرورة تعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.
ولا يقتصر التنافس بين الطرفين على الساحة اللبنانية، بل يمتد إلى شرق المتوسط، حيث تزداد أهمية المنطقة بفعل ثرواتها من الطاقة وتعقيدات أمنها الجيوسياسي. ورغم تقاطع المصالح الإسرائيلية والفرنسية في القلق من تنامي النفوذ التركي، فإن الطرفين يتنافسان في الوقت نفسه على لعب دور قيادي في رسم معادلات الإقليم وتحديد قواعد العمل فيه.
وفي هذا الإطار، يبرز الحضور الفرنسي في مشاريع التنقيب عن الغاز وعضويته في منتدى غاز شرق المتوسط، إلى جانب إسرائيل، غير أن باريس تنظر بقلق إلى تعميق التعاون الأمني بين تل أبيب وكل من اليونان وقبرص، خاصة مع تقديم إسرائيل نفسها كضامن أمني لهاتين الدولتين في مواجهة أنقرة، وهو ما تعتبره فرنسا تقليصًا لدورها في منطقة استراتيجية.
أما على المستوى اللبناني، فتتزامن محاولات تقليص الدور الفرنسي في آليات المراقبة مع ضغوط إسرائيلية باتجاه إنهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان، حيث تضطلع باريس بدور محوري. ويأتي ذلك في وقت تبدي فيه دول أوروبية استعدادًا للإبقاء على وجود عسكري في الجنوب بعد انتهاء مهمة القوات الدولية، ضمن إطار بديل يحتاج إلى توافق سياسي وأمني معقد.
وفي المقابل، تدفع إسرائيل نحو نموذج يقوم على تنسيق أمني مباشر مع لبنان، بدعم أميركي، معتبرة أن هذا المسار أكثر فاعلية من الآليات متعددة الأطراف. وتجد واشنطن في هذا التوجه فرصة لتعزيز نفوذها وتقليص أدوار دولية لا تملك تأثيرًا مباشرًا عليها، مع إبقاء الدور الفرنسي ضمن سقف أوسع تقوده الولايات المتحدة.
وتعكس هذه التطورات، وفق القراءات السياسية، تباينًا أعمق بين الرؤية الفرنسية الداعية إلى استقلالية القرار الأوروبي وتعزيز القدرات الدفاعية للقارة، وبين المقاربة الأميركية التي ترفض هذا التوجه وتفضل إدارة الملفات الأمنية من خلال تحالفات تقودها واشنطن بشكل مباشر.
في المحصلة، يُنظر إلى المساعي الإسرائيلية لتهميش الدور الفرنسي في لبنان على أنها ليست خطوة ظرفية أو محصورة بالخلافات الثنائية، بل تعبير عن صراع إقليمي ودولي أوسع على النفوذ، وهوية الوسطاء، وشكل النظام الأمني في شرق المتوسط، ضمن معادلة تسعى فيها تل أبيب وواشنطن إلى إعادة ترتيب الأدوار وجعل باريس لاعبًا ثانويًا ضمن إطار نفوذ أوسع.



