
بعد عام على سقوط الأسد… اختبار المراجعة الصعبة أمام سلطة دمشق بين الوعود والواقع
بعد عام على سقوط الأسد… اختبار المراجعة الصعبة أمام سلطة دمشق بين الوعود والواقع
مع مرور أكثر من عام على انهيار نظام بشار الأسد، تتزايد الدعوات الموجهة إلى سلطة دمشق لإجراء مراجعة شاملة وشفافة لمسارها السياسي والاقتصادي والأمني، في ضوء الوعود التي أطلقتها والدعم الواسع الذي حظيت به عربيًا ودوليًا، إضافة إلى الآمال الكبيرة التي علّقها السوريون على مرحلة ما بعد السقوط. هذه المراجعة لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة ملحّة لتقييم ما تحقق من إنجازات مقارنة بحجم التحديات والاستحقاقات التي لا تزال قائمة.
ويرى مراقبون أن نجاح أي مراجعة حقيقية يتوقف على قدرة السلطة على الاعتراف بالأخطاء التي رافقت المرحلة الماضية، والبناء على ما تحقق، في ظل مراقبة دولية دقيقة لأدائها قبل اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بالعلاقات معها أو برفع العقوبات عنها. في المقابل، يترقب الشارع السوري ترجمة الوعود إلى خطوات عملية تضمن الأمن والاستقرار، وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار، وتحسين مستوى المعيشة، شرط القطع مع مناخ العنف والتحريض الطائفي، والمضي في تسوية سياسية شاملة، وإصلاح المؤسسات، وصياغة دستور جديد، ووقف الانهيار الاقتصادي الذي يثقل كاهل البلاد.
ورغم أن أحدًا لم يتوقع انتقال سوريا إلى واقع مغاير بالكامل خلال فترة قصيرة، فإن السنة الأولى من حكم سلطة أحمد الشرع شكّلت محطة مفصلية كان يُفترض استثمارها لتأسيس مسار مستقر للمراحل اللاحقة. غير أن غياب خطط واضحة ومعلنة للنهوض الشامل، والاكتفاء بإطلاق الوعود، انعكس بطئًا في الإنجاز، خاصة في ظل الإرث الثقيل للأزمة الاقتصادية والعقوبات الدولية التي لم يُرفع بعضها إلا مؤخرًا.
وتعقّد المشهد أكثر مع استمرار الفلتان الأمني وتعدد بؤر التوتر، نتيجة انتشار السلاح وبقاء عوامل الصراع قائمة، ما جعل البلاد عرضة لانفجارات متكررة، كان آخرها الاشتباكات التي شهدتها مدينة حلب مطلع الشهر الجاري مع عناصر قوات سوريا الديمقراطية، وأسفرت عن سقوط ضحايا وتهجير أكثر من 150 ألف شخص من أحياء الأشرفية والشيخ مقصود. وتُعزى هذه التطورات إلى التأخر في إنجاز التسوية السياسية، وتطبيق العدالة الانتقالية، وإطلاق مصالحة وطنية شاملة، فضلًا عن عدم حل الفصائل المسلحة ودمجها في جيش وطني موحّد، وحسم ملف المقاتلين الأجانب الذي لا يزال شرطًا أساسيًا لتطبيع العلاقات الدولية مع دمشق.
وفي ظل تعثر معالجة القضايا الخلافية التي تعيق إعادة توحيد البلاد، لا سيما ما يتعلق باندماج مناطق شرق وشمال شرق الفرات والسويداء ضمن الدولة، تبرز مسألة اللامركزية كأحد الملفات الحساسة التي تتطلب مقاربة مرنة وتوافقية. ويُنظر إلى هذا الملف بوصفه مفتاحًا للاستقرار الأمني، الذي يُعد بدوره شرطًا لا غنى عنه لإعادة بناء الاقتصاد المنهار، وجذب الاستثمارات، والحصول على دعم الصناديق الدولية.
اقتصاديًا، يواجه هذا الملف انتقادات واسعة، إذ لم تُسجَّل حتى الآن خطوات إصلاحية واضحة أو خطط شاملة لوقف التدهور، في ظل غياب موازنة عامة معلنة. واقتصرت الإجراءات الحكومية على رفع الدعم عن السلع الأساسية والمحروقات، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، شمل الخبز والنقل والكهرباء والاتصالات، في وقت تعيش فيه غالبية السوريين، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة، أوضاعًا معيشية بالغة الصعوبة.
أما ملف إعادة الإعمار، فرغم حضوره المتكرر في الخطاب الرسمي، إلا أنه بقي الأكثر إهمالًا على أرض الواقع، مع غياب أي خطة وطنية متكاملة، والاكتفاء بمبادرات محلية محدودة تعتمد على التبرعات. ويربط خبراء هذا التعثر بغياب الإصلاح الدستوري والإداري، وعدم وجود مؤسسات تشريعية منتخبة، إضافة إلى الاكتفاء بإعلان دستوري مؤقت لم يُستكمل بخطوات عملية لصياغة دستور دائم يوفّر بيئة قانونية جاذبة للاستثمار ويعيد الانتظام إلى الإدارة العامة.
ويجمع متابعون على أن تركيز السلطة المفرط على الخارج، رغم أهميته، جاء على حساب ملفات داخلية أساسية جرى تأجيلها، رغم كونها حجر الأساس لأي استقرار طويل الأمد. ومع تصاعد الضغوط، تبقى المراجعة الجدية والمسؤولة اختبارًا حاسمًا لمدى استعداد السلطة لتصحيح المسار وبناء مرحلة جديدة أكثر ثباتًا



