إقتصاد

من مزراب الفساد إلى فرص جديدة: ما هو المرسوم الجديد لجباية الضرائب؟

من مزراب الفساد إلى فرص جديدة: ما هو المرسوم الجديد لجباية الضرائب؟

أطلقت وزارة المالية مسارًا جديدًا في ملف جباية الضرائب والرسوم، بعد توجهها إلى إلغاء المرسوم رقم 8161 الصادر عام 2012 واستبداله بمرسوم جديد يحدد الشروط الواجب توافرها في الشركات والمؤسسات المتعاقدة لتحصيل الأموال العامة. وعلى الرغم من أن الخطوة عُرضت تحت عنوان تنظيم الجباية ومعالجة الثغرات، إلا أن المعطيات تشير إلى أن الهدف الفعلي يتمثل في توسيع دائرة الشركات المخوّلة دخول هذا القطاع، وفق شروط وُصفت بأنها مفصّلة بما يتناسب مع جهات محددة.

وخلال السنوات الممتدة من 2011 وحتى مطلع عام 2025، أبرمت وزارة المال اتفاقات مع سبع شركات لتحصيل الضرائب والرسوم، بموجب مذكرات تفاهم مباشرة مع وزراء المالية المتعاقبين. وشهدت هذه المرحلة تسجيل مخالفات متكررة، أبرزها تأخير تحويل الأموال المحصّلة إلى خزينة الدولة، وإيداعها في المصارف لفترات طويلة، ما أتاح للشركات تحقيق أرباح كبيرة من المال العام، قُدّرت في عام 2024 وحده بنحو 48 تريليون ليرة لبنانية.

هذا الواقع فتح شهية شركات تحويل الأموال والمحافظ الإلكترونية للدخول إلى سوق الجباية، بما فيها شركات حديثة العهد بالسوق اللبنانية، بعضها بدأ نشاطه قبل الحصول على التراخيص اللازمة من مصرف لبنان، وفق مصادر متابعة للملف.

وبعد الكشف عن حجم المخالفات، تحرّكت وزارة المال في أيار 2025، وكلفت فريقًا متخصصًا بالتدقيق في التزام الشركات بتحويل الضرائب ضمن المهل القانونية، وفرضت فوائد تأخير مرتبطة بسندات الخزينة. غير أن هذه الإجراءات، بحسب المعلومات، لم تشكّل رادعًا فعليًا، ما دفع الوزارة لاحقًا إلى الذهاب نحو تعديل الإطار القانوني بدل تشديد الرقابة.

وفي كانون الأول الماضي، وافق مجلس الوزراء على مشروع مرسوم جديد ألغى المرسوم السابق، وأعاد تعريف الجهات التي يمكنها التعاقد مع وزارة المال بعبارات فضفاضة، مثل “شركة أو مؤسسة مالية”، من دون تحديد واضح لطبيعة التراخيص المطلوبة من مصرف لبنان، مع إدخال شركات التكنولوجيا المالية (Fintech) إلى دائرة المؤهلين.

المرسوم الجديد يعتمد أربعة شروط أساسية، إضافة إلى الاكتفاء بتحقيق شرط واحد فقط من مجموعة شروط إضافية، مقارنة بمنظومة أكثر تشددًا كانت معتمدة سابقًا. فقد رُفع الحد الأدنى لرأس المال إلى 50 مليار ليرة، وزادت قيمة الكفالة المالية المطلوبة، فيما جرى تخفيف شروط الانتشار الجغرافي وعدد الموظفين والفروع، ما سهّل دخول شركات أقل حجمًا إلى هذا القطاع الحساس.

كما أُدرجت شروط مرتبطة بعدد العمليات المالية الشهرية وعدد مستخدمي المحافظ الإلكترونية، وهي شروط اعتبرها متابعون مصمّمة لتتناسب مع شركات محددة بعينها. في المقابل، غابت متطلبات أساسية كانت منصوصًا عليها سابقًا، لا سيما تلك المتعلقة بالبنية التحتية التكنولوجية، وأنظمة الحماية، ومراكز الاتصال، ما يثير تساؤلات حول معايير السلامة والشفافية.

أما مراجعة مجلس شورى الدولة للمرسوم الجديد، فجاءت شكلية واقتصرت على تعديلات لغوية، من دون إدخال أي تغييرات جوهرية على المضمون، ما عزز الانطباع بأن الهدف الأساسي هو فتح المجال أمام لاعبين جدد، لا ضبط آلية الجباية أو حماية المال العام.

وفي ظل غياب إصلاح حقيقي لمنظومة التحصيل، تبقى جباية الضرائب والرسوم ساحة مفتوحة أمام شركات جرى تفصيل الشروط بما يلائم قدراتها، فيما تستمر المخاوف من استنزاف الأموال العامة، في وقت يُفترض أن تكون فيه هذه الموارد ركيزة أساسية لإنقاذ المالية العامة وبناء الثقة مع المكلّفين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce