مقالات

إسرائيل والسيطرة الإقليمية: كيف يدير الشرق الأوسط عبر تفكيك الدول واستغلال الفوضى

إسرائيل والسيطرة الإقليمية: كيف يدير الشرق الأوسط عبر تفكيك الدول واستغلال الفوضى

تشهد منطقة الشرق الأوسط اليوم صراعًا موحدًا على إعادة تشكيل المستقبل الإقليمي، من اليمن والسودان إلى سوريا وليبيا، مرورًا بسواحل البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وما يبدو فوضى متفرقة هو في الواقع خطة متكاملة لإدارة تفكيك الدول، تحدد من يوظفه، من يخشاه، ومن يحاول احتواؤه قبل أن يتحول إلى انهيار شامل.

سوريا تمثل قلب هذا المشروع، حيث يُعاد هندسة الدولة والجغرافيا السياسية تدريجيًا. إسرائيل، وفق مراقبين، تسعى لتحويل الفراغ السياسي إلى واقع استراتيجي دائم، عبر تفريغ الدولة السورية من سيادتها ووظيفتها الإقليمية، من الجنوب السوري وجبل الشيخ وصولاً إلى الحدود العراقية، لتأمين عمق أمني استراتيجي.

في لبنان، يمتد هذا المشروع الموازٍ عبر الجغرافيا الدرزية الممتدة من جبل الشيخ إلى راشيا في البقاع الغربي، بهدف تحييد المناطق الاستراتيجية وتحويلها إلى حزام أمني صديق لإسرائيل. وفي ليبيا، أصبح الانقسام هو الأداة الأساسية لإضعاف الدولة، مع ترك البلاد تحت سيطرة تحالفات محلية هشة وقوى أمر واقع عسكرية واقتصادية، ما يحافظ على حالة سيولة دائمة من دون حرب فاصلة أو سلام شامل.

السودان يشهد نفس المنطق، حيث تُستغل الحرب لتفتيت الدولة إلى مناطق نفوذ متنافسة، فيما الصومال يمثل النسخة الأكثر تقدّمًا من هذا النهج، مع تفرّغ الدولة المركزية لصالح كيانات محلية مستقلة تُدار وفق مصالح إقليمية محددة.

الدول الإقليمية تتفاعل مع هذا الواقع بحسب مصالحها. السعودية تميل للحفاظ على بقاء الدول، ولو ضعيفة، لتجنب فوضى إقليمية تهدد أمنها، بينما تركيا تحرص على وحدات سياسية قوية بما يمنع تهديد الهوية الكردية ووحدة الأناضول. مصر تحرص على توازن بين وحدة الدولة واستقرار الدور الاستراتيجي، والإمارات تراهن على التفكيك المُدار كأداة نفوذ، في حين ترى إيران قيمة في الدول الضعيفة مع ميليشيات قوية تسمح لها بالتحكم بالقرار السياسي دون تفتيت الشكل الرسمي للدولة.

في هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط ساحة لإدارة التفكيك لا لمجرد الصراعات العسكرية، حيث تتحكم إسرائيل في عملية إعادة رسم الجغرافيا السياسية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، مستفيدة من التباين في رؤية الدول الإقليمية، التي تتعامل أحيانًا مع الانهيار كخطر وجودي وأحيانًا كفرصة نفوذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce