مقالات

صراع الغاز في شرق المتوسط: تل أبيب تتحكم بالمصادر وتعيد تشكيل خرائط النفوذ

صراع الغاز في شرق المتوسط: تل أبيب تتحكم بالمصادر وتعيد تشكيل خرائط النفوذ

منذ الأيام الأولى للحرب التي اندلعت بعد عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يخفِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طموحه في أن يتجاوز الرد العسكري حدود مواجهة حركة حماس، ليصل إلى ما يصفه بـ”تغيير الشرق الأوسط”. ومع مرور الوقت، تحول هذا الشعار إلى خطاب ثابت لدى القيادة الإسرائيلية، وصولًا إلى إعلان نتنياهو مؤخرًا أن إسرائيل نجحت في “تغيير وجه المنطقة” وضمان بقائها، ما يعكس توجهًا إسرائيليًا واضحًا نحو إعادة تشكيل خرائط النفوذ والمصالح، خصوصًا في ملف الطاقة والغاز شرق المتوسط.

الصراع على الغاز في شرق المتوسط ليس جديدًا، لكنه اليوم يأخذ مسارًا أكثر حساسية مع محاولات تل أبيب استثمار التطورات العسكرية والأمنية لتعزيز موقعها في خارطة إمدادات الطاقة. وفي ظل المتغيرات السياسية في دمشق بعد سقوط نظام الأسد، بات المشهد أكثر تعقيدًا، مع بروز تأثير مباشر على موقع سوريا ضمن هذا السباق الإقليمي.

في هذا السياق، أعلنت إسرائيل واليونان وقبرص خلال قمة ثلاثية عقدت في القدس في كانون الأول/ديسمبر الماضي، انتقال التعاون بين الدول الثلاث من مستوى التنسيق السياسي إلى تحالف دفاعي وأمني، يهدف إلى بناء منظومة حماية في شرق المتوسط. وتزامن ذلك مع تسريبات إعلامية يونانية حول خطط لإنشاء قوة انتشار سريع تضم آلاف الجنود لضبط الأمن البحري، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءًا من سباق السيطرة على خطوط الغاز في المنطقة.

ويعد مشروع خط أنابيب “إيستميد” أحد أبرز محاور هذا الصراع، إذ يهدف إلى نقل الغاز من إسرائيل عبر قبرص وصولًا إلى اليونان ومنها إلى السوق الأوروبية. ورغم حصول المشروع على دعم أوروبي منذ عام 2013، وتوقيع اتفاق رسمي في 2020، فإن الجدوى الاقتصادية ظلّت العائق الأساسي أمام تنفيذه، وسط رهان على متغيرات سياسية وجيولوجية قد تمنحه قابلية أكبر للتحقق مستقبلًا. وتبرز هنا حاجة إسرائيل للتحول إلى مركز إقليمي لتجميع الغاز، مع احتمال ربط حقول دول مجاورة مثل لبنان ومصر ضمن الشبكة.

في المقابل، تمتلك تركيا مشروعًا منافسًا يقوم على تحويلها إلى محور إقليمي لإعادة تصدير الغاز، اعتمادًا على شبكات قائمة تربطها بروسيا وأذربيجان وإيران وأوروبا. وساهم التغيير السياسي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في إعادة طرح فكرة ربط الخليج بتركيا عبر الأراضي السورية، بما يشمل مشاريع نقل الطاقة، وهو ما أبقى الباب مفتوحًا أمام مشاريع محتملة بانتظار استقرار المشهد السوري بشكل كامل.

أما مصر، فتسعى من جهتها إلى تثبيت دورها كلاعب أساسي عبر الجمع بين الإنتاج المحلي، واستيراد الغاز الإسرائيلي، وتسييله ثم تصديره إلى أوروبا. لكنها في الوقت نفسه تواجه منافسة مباشرة من مشروع “إيستميد” الذي قد يمنح إسرائيل القدرة على تجاوز المنشآت المصرية، مع بقاء احتمالات التعاون في حال تغيّر مستويات الإنتاج مستقبلاً.

وسط هذه المعادلات المتداخلة، تحاول إسرائيل استغلال التحالفات الأمنية لترسيخ نفوذها الاقتصادي وإعادة فرض نفسها كطرف أساسي داخل منظومة الطاقة الإقليمية، بما يجعل مشاريع الغاز جزءًا من ترتيبات سياسية وأمنية أوسع. بهذا المعنى، يبدو أن ما يطرحه نتنياهو حول “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” لم يعد مجرد شعار سياسي، بل توجّه استراتيجي تسعى تل أبيب لترجمته على الأرض عبر السيطرة على واحد من أهم ملفات الصراع الحديث: الطاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce