
ملفات الداخل المعطلة تهدد شرعية الحكم في سوريا وتقلق المجتمع الدولي
ملفات الداخل المعطلة تهدد شرعية الحكم في سوريا وتقلق المجتمع الدولي
منذ الأيام الأولى لتوليها الحكم، حرصت السلطة في دمشق على تقديم نفسها للعالم بصيغة مختلفة، محاوِلة إقناع الدول العربية والدول الكبرى بأنها سلطة جديدة برؤية سياسية مختلفة عن تجارب الحكم السابقة. وقد كثفت لقاءاتها مع المسؤولين العرب والدوليين، موجّهة رسائل تطمين واضحة تؤكد أن سوريا لن تكون ساحة لتصدير الأزمات أو منصة لتهديد الدول الأخرى، مع التأكيد على الالتزام بعلاقات سياسية متوازنة لا تحكمها خلفيات أيديولوجية.
وخلال الفترة الماضية، نجحت السلطة في الحصول على اعتراف سياسي واسع، بعدما فتحت عدة دول عربية باب الدعم لها، مثل السعودية وقطر والإمارات، إلى جانب انفتاح أوروبي ظهر من خلال زيارات رفيعة المستوى لوزراء خارجية فرنسا وألمانيا. كذلك حظيت دمشق بدعم أميركي بارز تجلّى في مواقف الرئيس دونالد ترامب وتعهده بدعم انخراط سوريا في التحالف الدولي ضد “داعش”، ثم قراره اللاحق برفع العقوبات عبر إلغاء قانون “قيصر”، ما اعتُبر تحولًا نوعيًا في التعاطي الدولي مع السلطة الجديدة.
غير أن هذا الحضور الخارجي النشط، قابله إهمال واضح للملفات الداخلية طوال العام المنصرم، حيث اعتمدت السلطة في كثير من الأحيان على أسلوب القوة لمعالجة الأزمات المحلية، بدل الذهاب إلى حلول سياسية واجتماعية شاملة. ورافق ذلك تجاهل ملفات شديدة الحساسية، مثل قضية المعتقلين والمفقودين، وإعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية، فضلًا عن تعثر الإصلاح الإداري والاقتصادي في ظل قرارات مثيرة للجدل، كفصل موظفين، وتقديم الولاء على الكفاءة في التعيينات.
ورغم أن المجتمع الدولي لا يزال ينظر إلى السلطة الحالية بوصفها سلطة انتقالية، فإن التأخر في إطلاق عملية سياسية متكاملة يهدد ثقة الخارج بها، خصوصًا مع استمرار الغموض حول شكل النظام السياسي المقبل وطبيعة الاقتصاد الذي ستتبناه الدولة. كما يثير بطء الإصلاحات وتضخم النفوذ الشخصي والمصالح الضيقة مخاوف من إعادة إنتاج نموذج “اقتصاد المحاسيب” وإحياء مركزية الحكم السابقة.
في الداخل، تعاني المؤسسات الرسمية بدورها من التعطل، إذ ما زال مجلس الشعب عاجزًا عن استكمال تركيبته، الأمر الذي ينعكس على شرعية التشريعات والقرارات. ومع رفض مطالب متصاعدة لتطبيق اللامركزية، يتزايد القلق من عودة الحكم الأحادي وإقصاء المشاركة السياسية.
وفي حال استمر الجمود وتراجعت وتيرة الإصلاح، فإن الشرعية الدولية التي حصدتها السلطة خلال الأشهر الماضية مهددة بالتآكل، ما قد يدفع المجتمع الدولي إلى تقليص دعمه وإحجام المستثمرين والدول المانحة عن التعاون مع سوريا. وعندها، ستجد السلطة نفسها أمام خطر الانغلاق مجددًا، وفقدان الفرصة التاريخية لإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار.



