لبنان يبدأ استعادة هيبة الدولة: تحوّل قضائي وأمني يغيّر المشهد
لبنان يبدأ استعادة هيبة الدولة: تحوّل قضائي وأمني يغيّر المشهد
شهد القضاء اللبناني منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة نواف سلام تحوّلات نوعية أعادت للمرفق القضائي جزءاً من هيبته، وفتحت الطريق لمعالجة ملفات عالقة كانت محمية سياسياً لعقود.
وتجلت هذه التغييرات في سلسلة تعيينات قضائية مهمة، أبرزها تثبيت القاضي جمال الحجار نائباً عاماً لدى محكمة التمييز، وتعيين القاضي أيمن عويدات رئيساً لهيئة التفتيش القضائي، واستكمال تشكيل مجلس القضاء الأعلى وملء الشواغر في محاكم التمييز والمجلس العدلي، ما أعاد انتظام العمل القضائي بعد سنوات من الفراغ والتعطيل.
وكان لخطاب القسم الذي ألقاه الرئيس عون في يناير تأثير مباشر، إذ شكّل دعماً غير مسبوق للقضاء، مما منح مجلس القضاء الأعلى حرية اختيار التشكيلات القضائية وفق معايير مهنية، دون تدخل سياسي، وهو ما انعكس على أسلوب عمل النيابات العامة والقضاة، وتسريع وتيرة المحاكمات، وفرض احترام القانون على ملفات كانت عالقة تحت وطأة الحصانات غير المعلنة.
وقد تميز عام 2025 بقرارات قضائية حاسمة، شملت توقيف وزير الاقتصاد السابق أمين سلام لأكثر من ستة أشهر في قضية فساد، وملاحقة وزير الصناعة السابق والنائب جورج بوشكيان بعد رفع الحصانة عنه، إلى جانب فتح ملفات المصارف بما في ذلك توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة وكفالة مالية غير مسبوقة بلغت 11 مليون دولار لرئيس مجلس إدارة أحد المصارف. كما شهدت هذه الفترة إفراج القضاء عن نجل الزعيم الليبي الراحل هانيبال القذافي بعد عشر سنوات من التوقيف، وتسليم الفنان فضل شاكر نفسه بعد أكثر من 12 عاماً من اللجوء.
وعلى الصعيد الأمني، أظهر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي قدرة عالية في مكافحة الجريمة، حيث شهدت مناطق البقاع خصوصاً حي الشراونة في بعلبك عمليات دهم واسعة، تفكيك شبكات المخدرات، ومقتل علي زعيتر الملقب بـ«أبو سلة»، والقبض على نوح زعيتر، إضافة إلى ضبط عشرات شحنات المخدرات المعدة للتصدير. كما تم توقيف عشرات العملاء الذين جرى تجنيدهم لصالح إسرائيل، ما يعكس تعافي لبنان واستعادة الدولة من بوابة القضاء والأمن.
في الوقت نفسه، يتابع القضاء اللبناني الملفات ذات البعد الخارجي، بما فيها قضية السجناء السوريين، حيث يسعى لمعالجة الأزمة بما يحافظ على المصلحة الوطنية ويخفف الضغط عن السجون، بالتعاون مع السلطات السورية وبإطار قانوني وبيروقراطي يتطلب إعادة صياغة معاهدة بين البلدين.
تؤكد هذه الإنجازات القضائية والأمنية أن لبنان بدأ فعلياً مسار استعادة هيبته، بعد سنوات من التجاذبات السياسية التي أثرت على عمل المؤسسات، لتصبح السنوات القادمة مرحلة القطاف لمتابعة الملفات العالقة وتحقيق العدالة.



