
مصر الضامن الأخير: لماذا لا يملك «حزب الله» بديلاً عن القاهرة؟
مصر الضامن الأخير: لماذا لا يملك «حزب الله» بديلاً عن القاهرة؟
أعادت زيارة رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي إلى بيروت إحياء الدور المصري في الجهود الرامية إلى تثبيت وقف الحرب بين لبنان وإسرائيل، وهو مسار لم ينقطع منذ إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وإن تفاوت حضوره تبعًا للظروف السياسية والأمنية. وتأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد المخاوف من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة واسعة قد تطال لبنان بكامله.
في هذا السياق، يبرز الدور المصري بوصفه شبكة الأمان الأهم لـ«حزب الله» وفرصته الأخيرة لتفادي حرب شاملة ستكون كلفتها باهظة على الحزب والدولة اللبنانية معًا. وعلى الرغم من الضجيج السياسي الذي رافق المبادرة المصرية، بين من رأى فيها محاولة لمراعاة مطالب الحزب عبر طرح فكرة «تجميد السلاح»، ومن اعتبر أن القاهرة انتقلت من موقع الوسيط إلى ناقل رسائل تهديد إسرائيلية جدية، فإن الواقع يشير إلى أن الحزب يفتقر اليوم إلى أي ضامن إقليمي يحظى بثقة دولية وغطاء أميركي.
وتمنح زيارة مدبولي المبادرة المصرية بعدًا أكثر جدية، خصوصًا في ظل الحديث عن تنسيق مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واستناد القاهرة إلى تجربتها الأخيرة في إدارة ملف غزة، حيث لعبت دورًا محوريًا في وقف الحرب وعقد مؤتمر شرم الشيخ. ويُستحضر في هذا الإطار قبول حركة «حماس» في تشرين الأول/أكتوبر الماضي بخطة أميركية من عشرين نقطة تحولت لاحقًا إلى قرار صادر عن مجلس الأمن، ما يطرح تساؤلات حول أسباب عجز «حزب الله» عن الوصول إلى تفاهمات مشابهة.
ويعود ذلك، وفق معطيات سياسية، إلى افتقاد الحزب لأي وسيط إقليمي موثوق لدى مركز القرار الأميركي، بخلاف «حماس» التي حافظت، رغم ارتباطها بإيران، على قنوات عربية ودولية فاعلة، لا سيما مع قطر وتركيا. في المقابل، أسهمت السياسات الإيرانية، القائمة على الانخراط الأمني والعسكري المباشر في عدة ساحات، في عزل طهران إقليميًا ودوليًا، ما انعكس مباشرة على موقع «حزب الله» التفاوضي.
حتى الحلفاء التقليديون لإيران لم يبدوا استعدادًا لتوسيع رقعة المواجهة. فروسيا، التي اختلفت مع طهران في ملفات عدة، ضغطت لمنع فتح جبهة لبنان بعد عملية «طوفان الأقصى»، ورفضت توفير بدائل لخطوط إمداد السلاح بعد استهداف إسرائيل للمطارات والممرات البرية السورية. ومع غياب أي غطاء دولي لتوسيع الحرب، بات الحزب عمليًا بلا ضامن إقليمي أو دولي.
من هنا، تبرز مصر كطرف وحيد قادر على لعب دور «الضامن» في أي مفاوضات جدية لتثبيت وقف إطلاق نار كامل في لبنان. فالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تختلف جوهريًا عن مفاوضات غزة، إذ تجري بين دولتين على مستوى رسمي، وهو ما كرّسه تكليف السفير السابق سيمون كرم برئاسة وفد لبنان في اجتماعات «الميكانيزم».
غير أن تمسك «حزب الله» بسلاحه، ورفضه حصر التفاوض إلا بملف الانسحاب الإسرائيلي والأسرى، يضع الحكومة اللبنانية أمام معادلة شديدة التعقيد، ويمنح إسرائيل هامشًا أوسع لممارسة الضغوط السياسية والعسكرية، وصولًا إلى التلويح بالحرب. وفي ظل عجز قوى إقليمية أخرى، سواء لغياب القدرة أو الرغبة، تبقى القاهرة الطرف الوحيد القادر على التواصل مع جميع اللاعبين، من واشنطن إلى طهران وتل أبيب.
وبينما تبدو تركيا عاجزة عن لعب هذا الدور بسبب مواقفها المتشددة، وتظهر السعودية غير راغبة في الانخراط المباشر رغم نفوذها في واشنطن، تتقدم مصر بوصفها الخيار الإقليمي الوحيد القادر على تشكيل شبكة أمان للبنان، وإمساك خيط النجاة الأخير لتجنيبه الانزلاق نحو حرب مفتوحة.



