مقالات

مشهد غير محسوب في دمشق يربك إسرائيل… وهواجس من انعكاسه على الاتفاق الأمني

مشهد غير محسوب في دمشق يربك إسرائيل… وهواجس من انعكاسه على الاتفاق الأمني

في خضم الاحتفالات بسقوط نظام الأسد، أثار مقطع مصوّر لهتاف جنود سوريين نصرة لقطاع غزة، خلال عرض عسكري في دمشق حضره الرئيس أحمد الشرع وكبار ضباط الجيش، موجة واسعة من التفاعلات، كان أبرزها في إسرائيل التي تلقفت المشهد بسرعة لافتة. وتزامن ذلك مع استمرار الغموض الذي يحيط بالمفاوضات الجارية حول الاتفاق الأمني بين دمشق وتل أبيب، في وقت تواصل فيه إسرائيل تصعيد عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية.

 

وأثار الهتاف تساؤلات حول مدى انعكاسه على المسار السياسي الجديد في سوريا، وما إذا كانت إسرائيل ستستخدمه ذريعة لشن ضربات جديدة، أو لإعادة تقييم مسار المفاوضات الأمنية، خصوصاً في ظل تضارب التوجهات داخل السلطة السورية بين خط براغماتي وآخر متشدد.

 

وبحسب مصادر إعلامية إسرائيلية، ناقشت المؤسسة الأمنية في تل أبيب المقاطع المصوّرة فور انتشارها، وسط تقديرات بأن تستغل إسرائيل هذا التطور لتوجيه رسائل قاسية إلى دمشق، وربما اتخاذ خطوات ميدانية في الجنوب السوري. ويأتي ذلك في سياق السعي الإسرائيلي الدائم لإثبات أن السلطة السورية الجديدة لا تزال تشكل تهديداً محتملاً، رغم الوعود السياسية التي أطلقها الشرع.

 

وسبق لإسرائيل أن حاولت استثمار أي مؤشرات من الداخل السوري لتبرير استمرار احتلالها للمنطقة العازلة وجبل الشيخ. فقد لوّح مندوبها في مجلس الأمن، قبل أسابيع، بدعوة سورية لإحياء ذكرى هجوم 7 تشرين الأول قبل إلغائها، مستنداً إليها للتحريض على السلطة الجديدة ونسف وعود التغيير.

 

ومن المتوقع أن يوظّف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حادثة الهتافات في لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية الشهر، بهدف تعزيز مواقفه في ملف الاتفاق الأمني، وتبرير الاعتراض الإسرائيلي على إلغاء قانون قيصر، وهو ما دفعه إلى إرسال وزير خارجيته جدعون ساعر إلى واشنطن لحشد الدعم داخل الكونغرس.

 

وعلى الأرض، تشير المعطيات إلى أن الجنوب السوري بدأ يشهد بوادر تصعيد، بعدما أقدمت قوة إسرائيلية على إغلاق مداخل خان أرنبة في القنيطرة وإطلاق النار على مدنيين، ما أدى إلى إصابة ثلاثة. ويرجّح محللون أن تعتمد إسرائيل تكتيكات إضافية مثل تكثيف الطائرات المسيّرة والاستهدافات المحدودة بهدف الضغط على دمشق.

 

ويرى خبراء أن الهتافات قد تُستغل كورقة سياسية في المفاوضات الأمنية، دون أن تغيّر جذرياً مسارها، لكنّها تمنح إسرائيل حجة لاعتراض أو لفرض شروط إضافية بحجة “معالجة مخاوفها”. كما يؤكد باحثون أن تل أبيب تسعى إلى توظيف أي حدث لإضفاء شرعية على سياستها العدوانية داخل سوريا، خاصة بعد سقوط النظام القديم وبدء مرحلة انتقالية معقدة.

 

وفي الداخل السوري، فتح المشهد الباب أمام سؤال محوري: هل كانت الهتافات بتوجيه رسمي، أم أنها نتاج مبادرة من ضباط يتبنون توجهاً مختلفاً عن سياسة الشرع؟

ويرجّح محللون وجود تيارين داخل السلطة: الأول يسعى إلى براغماتية سياسية وانفتاح دولي، والثاني يضم مقاتلين سابقين وعناصر متشددة ترفض أي تنازل في الملفات الإقليمية، ولا سيما المتعلقة بإسرائيل.

 

وتكشف الشعارات التي رُفعت خلال العرض—والتي توعّدت إسرائيل بالانتقام لغزة—عن تناقض واضح مع الخطاب السياسي الرسمي الذي يروج لفكرة أن “سوريا الجديدة لا تشكل تهديداً لأحد”. ويرى بعض المتابعين أن ما جرى ربما كان نتيجة ضعف التنسيق، بينما يعتبر آخرون أن التيارات الداخلية المعارضة قد تلجأ إلى التعبير عن موقفها عند كل منعطف سياسي حساس، وأن تأثيرها قد يتصاعد إذا وصلت المفاوضات بين دمشق وتل أبيب إلى طريق مسدود.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce