
لبنان يدخل رسميًا مرحلة التفاوض مع إسرائيل: خلافات داخلية ولا عودة إلى الوراء
لبنان يدخل رسميًا مرحلة التفاوض مع إسرائيل: خلافات داخلية ولا عودة إلى الوراء
بعد ساعات قليلة على زيارة البابا إلى بيروت، بدأ لبنان تنفيذ ما سُمّيت الأجندة المتفق عليها أميركيًا، تحت غطاء وفرته أعلى مرجعية مسيحية. استند رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى هذا الغطاء لإعلان خطوة إضافة تمثيل سياسي إلى الوفد اللبناني في اجتماعات الميكانيزم، ما يعني دخول البلاد رسميًا في مرحلة التفاوض السياسي مع إسرائيل، من دون أي مجال للالتباس أو التبرير. فالاختيار وقع على السفير سيمون كرم، وهو شخصية ذات خبرة سياسية ودبلوماسية وعلاقات وثيقة بواشنطن، وجاء تعيينه بطلب مباشر من الأميركيين.
عملية التسمية جرت بعد اتفاق مع الثنائي الشيعي، كما عكسته زيارة مستشار الرئيس العميد أندريه رحال لرئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث جرى وضع الخطوة في إطارها السياسي والتشاور الذي سبقها. مع ذلك، سجّل حزب الله اعتراضه على آلية التسمية لعدم اطلاعه مسبقًا على اسم كرم، وتكررت الاستفسارات من جانب بري حول أسباب اختياره دون سواه. إلا أن الحزب، ورغم موقفه التقليدي الرافض لأي تواصل مع إسرائيل، يدرك أن السياق السياسي العام كان يقود نحو هذا الاتجاه، وأن الفرصة المقابلة التي كان يتمنى الحصول عليها، مثل وقف العدوان، لم تتحقق.
يعتبر حزب الله أن لبنان قدم سلسلة تنازلات من دون مقابل، بدءًا من طرح حصرية السلاح بيد الدولة، مرورًا بورقة توم باراك وصولًا إلى تعيين ممثل مدني في الميكانيزم، ما يثير مخاوف من مطالب إضافية لاحقًا. وبانتظار الموقف الرسمي لأمينه العام، ينظر الحزب بقلق إلى شخصية كرم لاعتباره خصمًا تاريخيًا للمقاومة، بينما ترد بعبدا بأن القرار النهائي في التفاوض يعود لرئيس الجمهورية، وأن الخطوة جاءت كوسيلة لمواجهة التهديدات الإسرائيلية بالاجتياح البري، خاصة بعد رفض إسرائيل والولايات المتحدة وقف العدوان قبل التفاوض.
وبما أن حزب الله سبق أن فوّض الرئيس بري إدارة الملف، فإن الأخير كان على علم بالمداولات وفق بيان الرئاسة، فيما يستند الفريق الرئاسي إلى إعلان الحزب سابقًا التزامه بما تقرره الدولة. وفي حال فشل المفاوضات، يبقى خيار الانسحاب مطروحًا، تمامًا كما حدث في ملف الترسيم البحري.
هذا التطور جاء بعد سلسلة محطات سياسية وروحية، من زيارة البابا إلى زيارة علي حسن خليل لإيران، ثم الرسالة التي نقلها نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى الفاتيكان، وصولًا إلى ما أكدته الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس للرئيس عون حول ربط وقف العدوان بنتائج المفاوضات. بالتزامن، كان المعاون السياسي للرئيس بري، علي حسن خليل، يعلن بوضوح أن الثنائي لم يعد يملك أوراق مواجهة المسار الإقليمي المتسارع نحو التسويات، خاصة وسط دعم قوي من إدارة ترامب وضغط عسكري متواصل على لبنان.
ويُسجل أن لبنان يدخل رسميًا مفاوضات سياسية لأول مرة منذ اتفاق 17 أيار، حين مثّله السفير أنطوان فتال. واليوم، يعود المشهد ذاته مع سيمون كرم، في إشارة واضحة إلى أن البلاد باتت في طور جديد لا يمكن تغليفه بوصفه تفاوضًا تقنيًا.
يُحسب لرئيس الجمهورية إقدامه على اتخاذ الخطوة رغم كلفتها السياسية، إذ فضّل تحمّل مسؤوليتها بدل ترك الملف للثنائي الشيعي، معتبرًا أنها خطوة ضرورية لحماية لبنان من مواجهة عسكرية واسعة. وتمّ الاتفاق مع بري على اختيار شخصية مدنية لا تمثل جهة رسمية ولا تتولى منصبًا وزاريًا، تنفيذًا للطلب الأميركي، ولعدم منح إسرائيل ذريعة لتوسيع عدوانها.
وبينما أبلغت أورتاغوس الرئيس عون قلق إسرائيل من تنامي قوة حزب الله، نقلت أيضًا موافقة تل أبيب على تعيين كرم. ومن جهة أخرى، يدرك الثنائي الشيعي أن رفض التفاوض يعني تحمّل مسؤولية أي تصعيد مقبل، وهو خيار غير ممكن في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المنهكة للجنوب. ومع تبدل موازين القوى في المنطقة، يبدو حزب الله مضطرًا إلى المهادنة ريثما تتضح نتائج الانتخابات الإسرائيلية المحتملة والانتخابات النصفية الأميركية.
وبين ترقب الموقف النهائي للثنائي، وارتفاع التوتر السياسي المحيط بالخطوة، يبقى السؤال المطروح: هل يتجرأ الثنائي على تحمل تبعات رفض تعيين كرم؟ أم أن الواقع السياسي يفرض القبول بمسار لا يبدو أن لبنان يمتلك قدرة الانسحاب منه؟



