
حمص على حافة الانفجار الطائفي.. ومؤشرات خطيرة تهدد بغياب الدولة
حمص على حافة الانفجار الطائفي.. ومؤشرات خطيرة تهدد بغياب الدولة
تشهد مدينة حمص توتراً متصاعداً يهدد بإحياء أخطر أشكال الانقسام الطائفي في سوريا، بعد سلسلة أحداث بدأت بجريمة قتل في بلدة زيدل قرب المدينة، عُثر في مسرحها على عبارات ذات طابع مذهبي. ورغم إعلان وزارة الداخلية أن الجريمة جنائية، وأن الشعارات وُضعت للتمويه، إلا أن تداعياتها سرعان ما تحولت إلى اعتداءات على ممتلكات في أحياء ذات غالبية علوية، شملت إحراقاً وتكسيراً ونهباً، ما أثار مخاوف من انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع.
وتزامنت الجريمة مع سلسلة حوادث أخرى في حمص خلال الأيام الماضية، شملت العثور على جثث لشبان من الطائفة العلوية، واعتداءات مسلّحة استهدفت مدنيين، ما ساهم في رفع مستوى التوتر. ورغم عدم وجود أدلة مباشرة على خلفية طائفية لهذه الجرائم، فإن الأجواء المشحونة تجعل أي شرارة كافية لفتح الباب أمام مواجهة خطرة قد يصعب احتواؤها لاحقاً.
تتعمق الأزمة في ظل اتساع الانفلات الأمني منذ بداية العام، وازدياد الخطابات التحريضية عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، حيث تنتشر دعوات انتقامية صريحة لا تُخفي نزعتها الطائفية، بعضها يصدر عن شخصيات محسوبة على السلطة. ويُنظر إلى هذا الخطاب على أنه يعكس توجهات داخل مراكز القرار، أو على الأقل تهاوناً يسمح بتمدده، مما يُغذي شعوراً عاماً بأن الدولة تتراجع لصالح منطق الجماعات والطوائف.
وتسهم تصريحات رسمية في تكريس هذا الانطباع، عبر الاستخدام المتكرر لمصطلح “المكوّنات” في الإشارة إلى السوريين، بما يوحي أن السلطة ترى المجتمع كتجمع طوائف لا كأفراد متساوين أمام القانون. ويُعد هذا الخطاب امتداداً لنهج قديم، لكنه اليوم يُطرح علناً بطريقة تزيد الانقسام ولا تساعد في بناء دولة عصرية تقوم على المواطنة.
إن تجريم جماعات بأكملها، أو التلميح إلى مسؤوليتها عن جرائم فردية، يحرف مسار العدالة ويقوض مفهوم الدولة نفسها، إذ يفترض بالقانون أن يحاسب الأفراد لا الطوائف. أما استمرار التحريض على أساس مذهبي، فقد يؤدي إلى العنف ويمنع أي مسار نحو مصالحة أو عدالة انتقالية حقيقية.
وبين دولة القانون المطلوبة، ودولة الطوائف التي تتشكل من الخطابات التحريضية، تقف سوريا أمام خيار واضح: إما إعادة الاعتبار لسيادة المؤسسات وسيادة القانون، أو الانزلاق إلى منطق الجماعات والولاءات الضيقة. ويبقى الخطر الأكبر في أن يتحول التوتر الراهن في حمص إلى نموذج قابل للتكرار، ما لم يُتخذ موقف حاسم يضع حداً للخطاب الطائفي ويدعم مفهوم الدولة كإطار جامع لكل السوريين.



