مقالات

لبنان أمام لحظة حاسمة: هل ينجح في وضع استراتيجية تنهي فوضى السلاح وتوقف العدوان الإسرائيلي؟

لبنان أمام لحظة حاسمة: هل ينجح في وضع استراتيجية تنهي فوضى السلاح وتوقف العدوان الإسرائيلي؟

لا تكفي الإدانة المتواصلة للغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، ولا الاتصالات الدبلوماسية مع الوسطاء العرب والدوليين، لمواجهة العدوان المتصاعد منذ صيف العام الماضي، أو لوقف الحرب التي بدأها “حزب الله” في الثامن من تشرين الأول 2023. فالمطلوب اليوم، وفق مصادر سياسية، هو وضع استراتيجية لبنانية واضحة ترتكز على حصر السلاح بيد الدولة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإنهاء الاحتلال.

 

ورغم محاولات إسرائيل استغلال الواقع الأمني لفرض معادلة جديدة عبر الضغط لنزع سلاح “حزب الله” وملاحقة مناصريه، من دون أي تعهد بوقف العدوان أو الانسحاب، إلا أن هذا التشدد لا يعفي الدولة من ضرورة صياغة رؤية متماسكة للمرحلة المقبلة. رؤية تُشكّل أساساً لأي مفاوضات أو اتفاق دائم لوقف النار، وتفتح الباب أمام سردية داخلية جديدة لمرحلة ما بعد “حزب الله”.

 

وتبرز في هذا السياق أهمية الربط بين المسار اللبناني والمسار الإقليمي، ولا سيما مع السعودية التي تمتلك ثِقلاً فاعلاً لدى واشنطن. إذ قد يشكل التنسيق مع الرياض عنصر قوة للبنان في أي مفاوضات مقبلة، خصوصاً في ظل سعي إسرائيل إلى دفع بيروت نحو اتفاق يُضعف سيادتها عبر ترتيبات أمنية مُهينة. كما يمكن للسعودية أن تسهم في توفير إطار أميركي يحد من التصعيد الإسرائيلي، مقابل خطوات لبنانية واضحة تتعلق بحصر السلاح ضمن مهلة محددة.

 

على الصعيد الداخلي، يشير مراقبون إلى أن أي استراتيجية لبنانية لحصر السلاح تحتاج إلى مقاربة داخل البيئة الشيعية، حيث يعيش السكان يومياً تحت وطأة الاغتيالات والقصف والانتهاكات، في ظل غياب إجراءات عملية لوقف النزيف. ويُطرح تساؤل واسع حول غياب المبادرة لدى “حزب الله”، رغم مرور عام على المأساة، واكتفائه بخطابات التهديد من دون اتخاذ قرارات تُنهي معاناة الناس.

 

وتتحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية طرح رؤية واضحة أمام المواطنين، والتواصل مع القوى الفاعلة داخل الطائفة الشيعية خارج إطار “حزب الله”، في ظل غياب قدرة الحزب على اتخاذ قرار مستقل بعيداً عن ارتباطاته الإقليمية. فإذا تعذر التفاهم بين الرؤساء الثلاثة حول خارطة طريق، يبقى من الضروري مخاطبة الرأي العام بخطة تُنتج استقراراً دائماً، وتنهي استخدام لبنان كساحة مفتوحة للصراعات.

 

ولا يقتصر حصر السلاح على الجانب الأمني فقط، بل يشمل تفكيك ركائز عسكرة المجتمع داخل البيئة الشيعية، واستعادة الدولة دورها في المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية التي خضع كثير منها لهيمنة تغذّيها التمويلات الإيرانية. ويُعد هذا التفكيك خطوة أساسية لتحرير القرار المحلي من الاحتكار المفروض باسم “المقاومة” والعقيدة الخمينية.

 

وفي ظل تزايد المخاطر، المطلوب من الدولة اللبنانية ألا تتحول إلى نسخة ثانية من “حزب الله”، تكتفي ببيانات إدانة بعد كل اغتيال وقصف. فالمواطنون الذين يدفعون الثمن في منازلهم وقراهم يستحقون مبادرة سياسية وأمنية متكاملة تُظهر بارقة أمل في نهاية النفق الذي زجّ فيه لبنان نتيجة خيارات خاطئة ومميتة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce