
لبنان في عيد الاستقلال: الجيش يحافظ على البزة رغم الأزمة الاقتصادية والغياب الرسمي للاحتفالات
لبنان في عيد الاستقلال: الجيش يحافظ على البزة رغم الأزمة الاقتصادية والغياب الرسمي للاحتفالات
في مثل هذا اليوم من كل عام، يفترض أن يخرج اللبنانيون إلى الساحات لرفع العلم، وأن تتقدم فصائل الجيش بعرض عسكري يذكّر الجميع بأن لهذا البلد دولة وجيشًا وطقوسًا. لكن هذا العام، غابت كل مظاهر الاحتفال بالاستقلال، فلا منصات، ولا فعاليات رسمية، ولا حتى محاولة لتجميل المناسبة. وزارة الدفاع ألغت الفعالية، واكتفت رئاسة الجمهورية بتقليد الأوسمة لرجالات الاستقلال.
ستة أعوام من الانهيارات الاقتصادية المتتالية تركت الجيش في وضع صعب بعيدًا عن الصورة اللامعة التي تعكسها كتب التربية الوطنية. الرواتب تراجعت إلى ما دون الحد الأدنى، وأصبح العديد من العسكريين يعملون في وظائف إضافية لتأمين لقمة العيش، فيما يغادر آخرون الخدمة بحثًا عن الهجرة. في ظل ضغوط مالية وأمنية كبيرة، بقي الجيش مطالبًا بمواجهة تحديات هائلة، على أرضٍ حدودها مفتوحة للطيران الإسرائيلي وبلد يعيش على وقع التهديدات لا الاحتفالات.
منذ 2019، فقد العسكري اللبناني غالبية قيمة راتبه بسبب الانهيار المتواصل لليرة، ما دفع الكثير منهم للعمل بعد الدوام أو ترك الخدمة تمامًا. الجيش، الذي كان يُنظر إليه كمؤسسة الدولة الوحيدة المتبقية، أصبح بحاجة إلى الدعم ذاته الذي يُطلب منه تقديمه.
في أحد المراكز، قال شاب في العشرينيات “: “مذ كنت صغيرًا، حلمي أن أنضم إلى الجيش… الوضع سيتحسن، لا بد أن يتحسن”. وعلى الطرف الآخر، يروي عسكري مخضرم تجربته قائلاً: “اضطررت للعمل كسائق توصيل بعد الدوام. جميع اللبنانيين تأذوا في بداية الأزمة، لكنهم تكيفوا، أما نحن فبقينا في عين العاصفة”.
أحد الجنود المشاركين يضيف: “أنا أعيل ثلاثة أطفال، والراتب لا يكفيني لأسبوع. أتناوب بين الحراسة والعمل الليلي في متجر صغير، وأنام ساعتين أو ثلاثًا ثم أعود إلى الخدمة. أحب هذه البزة، لكن المعاناة حقيقية”. هذه الحكايات تعكس واقع الجيش اللبناني اليوم: أفراد يحاولون التمسك بالمؤسسة التي يحبونها بينما تنهار البلاد من حولهم.
صحيح أن 22 تشرين الثاني 1943 سجّل خروج الانتداب الفرنسي، إلا أن معاني الاستقلال تحولت اليوم إلى شعارات تُتلى أكثر مما تُعاش. المناهج التربوية تبالغ في تقديس الرموز، لكن الواقع يكشف غياب سيادة حقيقية، وقرار مستقل، وعدالة اجتماعية، ومؤسسات فاعلة. الاستقلال في لبنان أصبح احتفالًا بلا مضمون ورمزًا بلا أسس، فيما يظل اللبنانيون على وعي بأن الدولة لم تُبنى بعد، وأن حقوقهم وواجباتهم لم تتحقق بعد.



