مقالات

واشنطن تُصعّد: إلغاء زيارة قائد الجيش اللبناني رسالة ضغط غير مسبوقة

واشنطن تُصعّد: إلغاء زيارة قائد الجيش اللبناني رسالة ضغط غير مسبوقة

ألغت الإدارة الأميركية قبل ساعات من موعدها الاجتماعات التي كانت مقررة لقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في واشنطن، في خطوة جاءت بعد تحضيرات طويلة للزيارة. هذا التطور المفاجئ ترافق مع هجوم مباشر شنه عدد من أعضاء مجلس الشيوخ على هيكل، في رسالة بدت وكأنها تحذير قاسٍ للمؤسسة العسكرية اللبنانية.

 

التصعيد الأميركي تزامن مع البيان الأخير لقائد الجيش الذي اتهم فيه إسرائيل بانتهاك السيادة اللبنانية وزعزعة الاستقرار ومنع انتشار الجيش في الجنوب، وصولًا إلى استهداف دورية تابعة لليونيفيل. البيان أثار غضب دوائر في الإدارة الأميركية والكونغرس التي كانت تناقش أساسًا جدوى استمرار الدعم المخصص للجيش اللبناني، فيما كانت الصحافة الإسرائيلية تكثّف اتهاماتها للجيش بالتقصير في مواجهة حزب الله وعدم تنفيذ خطة نزع سلاحه جنوب الليطاني وشماله.

 

وفي موازاة ذلك، أعلنت السفارة اللبنانية في واشنطن إلغاء حفل الاستقبال الذي كان مقرّرًا على شرف هيكل، مؤكدة أنه سيتم تحديد موعد جديد لاحقًا.

 

الغضب الأميركي تواصل مع موقف السيناتور جوني إرنست التي انتقدت عبر منصّة “إكس” موقف قيادة الجيش، معتبرة أن إسرائيل منحت لبنان فرصة للتخلص من حزب الله، وأن توجيه هيكل اللوم إلى تل أبيب “موقف مخزٍ”. وقبلها، هاجم توم حرب، العضو الجمهوري من أصل لبناني، أداء المؤسسة العسكرية، وكشف أن الإدارة الأميركية ألغت جميع الاجتماعات، مطالبًا باستبدال قائد الجيش إذا لم يلتزم بتنفيذ القرار 1559 ومواجهة حزب الله.

 

هذا التوتر ليس مفاجئًا، إذ سبقه انتقاد حاد من الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس التي اتهمت هيكل بالانحياز، قبل أن تعود وتبدي تفهّمًا لضغوط الجيش في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. ومع ذلك، ظلّت واشنطن ترى أن القيادة العسكرية “مقصّرة”، مدفوعة بمطالب لبنانية — بعضها سياسي — للقيام بخطوات ميدانية ضد حزب الله.

 

هيكل شدد خلال عرضه الأخير في مجلس الوزراء على أن الجيش يتعرض لإهانات أمنية وسياسية، وأن عناصره يواجهون تضييقًا واعتداءات إسرائيلية في الجنوب، بينما تُحمّل القيادة مسؤوليات تفوق قدراتها، بينها مطالب بالدخول إلى منازل الجنوبيين بحثًا عن سلاح حزب الله، وهو ما رفضه معتبرًا أن أي تنازل سيقود إلى مطالب إسرائيلية إضافية.

 

إلغاء الزيارة يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة للبنان. فالمؤشرات الأميركية توحي بأن المشكلة لم تعد مع الحكومة أو حزب الله فقط، بل باتت تشمل الجيش نفسه. ومع استمرار التوتر، قد يتجه لبنان نحو أول موجة عزلة أمنية–عسكرية منذ 2005. مؤتمرات دعم الجيش مجمّدة، والدعم الخارجي مهدد، فيما وضعت واشنطن المؤسسة العسكرية تحت “رقابة سياسية”.

 

من الواضح أن واشنطن تريد اصطفافًا لبنانيًا معلنًا ضد حزب الله، وترى أن أي بيان يُفهَم بأنه منحاز ضد إسرائيل يعني قطع الدعم. ومع تصاعد الضغط داخل الكونغرس، يزداد خطر التحوّل إلى سؤال جوهري: “لماذا تموّل الولايات المتحدة جيشًا لا يعارض حزب الله؟”.

 

أما بالنسبة لاحتمال توسيع إسرائيل عملها العسكري، فالسيناريوهات مفتوحة، وإن كانت واشنطن لا تبدو راغبة في حرب شاملة. لكن الغضب الأميركي من موقف الجيش اللبناني، إضافة إلى الأوامر التي يحملها الجيش بالتصدي لأي توغل إسرائيلي، يزيد منسوب التوتر ويجعل أي حادث حدودي قابلًا للاستثمار سياسيًا داخل الكونغرس.

 

ما حدث يُعدّ أسوأ تراجع في العلاقة بين الجيش اللبناني وواشنطن منذ عام 2006. الزيارة ألغيت، اللقاءات أُلغيت، الهجوم السياسي بلغ مستوى غير مسبوق، والملف الآن بيد صقور مثل ماركو روبيو. الدعم الأميركي بات مشروطًا أكثر من أي وقت مضى، وهو تطور سيترك انعكاسات سياسية وعسكرية على لبنان والمنطقة. والسؤال اليوم: كيف ستتعامل الدولة اللبنانية مع هذا الضغط المتصاعد على المؤسسة العسكرية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce