
وفد الخزانة الأميركية في بيروت: واشنطن تلوّح بـ”أسلحة مالية” جديدة للضغط على لبنان
وفد الخزانة الأميركية في بيروت: واشنطن تلوّح بـ”أسلحة مالية” جديدة للضغط على لبنان
بدأ وفد وزارة الخزانة الأميركية، برئاسة كبير مسؤولي العقوبات، زيارته إلى بيروت اليوم الأحد، حيث استهل جولته بلقاء في قصر بعبدا، تلاه اجتماعات تقنية مع مسؤولين في مصرف لبنان ووزارة المالية. الزيارة تأتي في ظل تصاعد الحديث عن استمرار التحويلات المالية من إيران إلى حزب الله، وفق تصريحات لافتة صدرت عن الوفد، عكست نية واشنطن متابعة ملف الامتثال اللبناني للعقوبات عن كثب.
تزامنت الزيارة مع فرض عقوبات أميركية جديدة طالت رجال أعمال وشبكات صيرفة مرتبطة بتمويل حزب الله، ما أعاد تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه واشنطن في مراقبة الحركة المالية في لبنان. وتشير مصادر مطلعة إلى أن الولايات المتحدة تمتلك “أسلحة مالية” لم تستخدمها بعد، وتستطيع عبرها ممارسة ضغوط تدريجية على لبنان، من دون الوصول إلى حد العزلة المالية الكاملة. فآلية الضغط الأميركية قد تشبه الضربات المحدودة في الميدان، تضيق الخناق على الاقتصاد اللبناني دون قطع علاقاته بالكامل بالنظام المالي العالمي.
ورغم الأزمة المصرفية المستمرة منذ عام 2019، لا يزال لبنان مرتبطاً بالنظام المالي الدولي عبر حسابات المصارف اللبنانية في البنوك الأميركية المراسلة، التي تمثل الشريان الحيوي لتحويل الأموال بالدولار. إلا أن هذه القنوات باتت تضيق تدريجياً، مع تراجع عدد الحسابات وارتفاع كلفتها نتيجة المخاطر المتزايدة والملاحقات القضائية. وفي ظل إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، أصبحت العلاقة مع المصارف المراسلة أكثر هشاشة وتعقيداً.
ويرى خبراء أن قرار الإبقاء على هذا التواصل المالي هو قرار سياسي بامتياز، يخضع لتوازنات تحددها واشنطن التي تملك القدرة على تشديد القيود متى شاءت. النموذج العراقي يُعد مثالاً واضحاً على هذا النمط من الضغط؛ فبرغم امتلاك العراق احتياطات ضخمة بالعملة الصعبة، تفرض الولايات المتحدة قيوداً على حركة الدولار فيه للحد من تسربه إلى إيران، وهو ما تسبب بفوارق في أسعار الصرف ومشكلات نقدية مشابهة لما قد يواجهه لبنان.
أما على صعيد الاحتياطات المالية، فيبلغ رصيد مصرف لبنان نحو 11.87 مليار دولار أميركي، معظمها مودعة لدى المصارف الأميركية المراسلة أو موظفة في أسواق المال الأميركية. وهذه الأموال تُعد المصدر الأساسي لتمويل سحوبات المودعين وضمان ما تبقى من السيولة في القطاع المصرفي، ما يجعلها بدورها ورقة ضغط بيد واشنطن.
وتضاف إلى ذلك أدوات النفوذ الأميركية داخل صندوق النقد الدولي، حيث تمتلك الولايات المتحدة أكبر حصة تصويتية تخولها استخدام “الفيتو” ضد أي قرار لا يتماشى مع مصالحها. ومع استمرار المفاوضات التقنية بين لبنان وبعثة الصندوق بشأن الإصلاحات المطلوبة، يبقى الموقف الأميركي عاملاً حاسماً في تسهيل أو عرقلة أي اتفاق نهائي على برنامج الدعم المالي المنتظر.
في المحصلة، تبدو زيارة وفد الخزانة الأميركية بمثابة رسالة واضحة بأن واشنطن ما زالت تحتفظ بمجموعة من الأدوات المالية القادرة على التأثير في مستقبل الاقتصاد اللبناني، وأنها مستعدة لاستخدامها وفق تطورات المرحلة المقبلة.



