مقالات

لماذا تسعى إسرائيل لتفتيت الدول العربية؟

لماذا تسعى إسرائيل لتفتيت الدول العربية؟

منذ تأسيسها عام 1948، شكّل المحيط العربي لإسرائيل أحد أبرز محددات سياستها الأمنية. فالدول الكبرى المحيطة بها، كمصر وسوريا والعراق والأردن، كانت تُرى في الوعي الإسرائيلي كتهديد وجودي محتمل، إذا ما توحّدت الإرادة السياسية والعسكرية بينها. ومنذ ذلك الحين، وُجهت اتهامات متكررة لإسرائيل باتباع استراتيجية غير معلنة تهدف إلى تفكيك الدول العربية إلى كيانات طائفية أو إثنية، لضمان تفوقها الإقليمي ومنع أي قوة عربية موحدة قد تشكل خطرًا عليها مستقبلًا.

 

هذه الفرضية، سواء اعتُبرت واقعًا سياسيًا أو مجرد سردية متداولة، تستند إلى وقائع تاريخية وخطابات فكرية إسرائيلية تدعم فكرة أن بقاء إسرائيل يعتمد على إضعاف محيطها. فالعقيدة الأمنية الإسرائيلية تأسست على أربعة مبادئ أساسية: الضربات الاستباقية، التفوق النوعي في السلاح، التحالف مع القوى العظمى، وإضعاف الخصوم المحتملين.

 

من هذا المنطلق، يصبح تفتيت الدول المجاورة جزءًا من منطق البقاء. فالدولة المفككة أو الغارقة في صراعاتها الداخلية لا تشكل خطرًا حقيقيًا على إسرائيل، ولن تكون قادرة على دعم القضية الفلسطينية أو خوض حرب شاملة. وتستفيد إسرائيل في هذا الإطار من فسيفساء الشرق الأوسط المعقدة، حيث تتعايش هويات دينية وإثنية متعددة — من عرب وأكراد وفرس وترك، إلى سنّة وشيعة ومسيحيين ودروز وعلويين. هذا التنوع، إن وُظّف في اتجاه التقسيم، يتحول إلى أداة لتفتيت المجتمعات.

 

تاريخ المنطقة يقدم شواهد متكررة على ذلك: دعم إسرائيل للأقليات في لبنان منذ السبعينيات، تعاونها مع فصائل كردية في العراق، علاقاتها مع بعض القبائل في جنوب السودان قبل الانفصال، وتحالفاتها المتعددة خلال الحرب السورية. كما أشار كثير من الباحثين إلى ما يُعرف بـ”خطة يينون” لعام 1982، التي دعت إلى تفكيك الدول العربية الكبرى إلى وحدات طائفية وإثنية لضمان تفوق إسرائيل، رغم أنها لم تكن وثيقة رسمية.

 

لكن إسرائيل ليست وحدها في هذا المسار. فالقوى الدولية والإقليمية — من الولايات المتحدة إلى إيران وتركيا — تمارس بدورها سياسات تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها. فالدول الصغيرة المنقسمة تُسهل التحكم بالموارد وتحد من قدرة المنطقة على المنافسة الاقتصادية والسياسية. كما أن تعدد الكيانات الطائفية في المنطقة يجعل “الدولة اليهودية” تبدو نموذجًا طبيعيًا في محيط فقد تدريجيًا مفهوم الدولة الوطنية المدنية.

 

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الانقسامات الداخلية العربية لعبت دورًا أساسيًا في تسهيل أي مشروع تفتيتي. فضعف المؤسسات، وغياب العدالة، وتسييس الدين، واحتكار السلطة، كلها عوامل جعلت المنطقة عرضة للتجزئة من الداخل قبل أن تتأثر بعوامل الخارج.

 

في المحصلة، سواء اعتُبرت “استراتيجية التقسيم” مشروعًا إسرائيليًا ممنهجًا أو نتيجة طبيعية لتشابك مصالح إقليمية ودولية، تبقى الحقيقة أن إسرائيل تستفيد من محيط عربي ضعيف ومفكك، فيما يبقى الرد الحقيقي على ذلك في بناء دولة عربية حديثة، عادلة، ومتماسكة قادرة على احتواء تعدديتها بدل أن تنفجر بها.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce