اقليمي

خط الحجاز يعود إلى الحياة: مشروع الربط البري بين السعودية وسوريا يفتح طريقاً جديداً للتجارة الإقليمية

خط الحجاز يعود إلى الحياة: مشروع الربط البري بين السعودية وسوريا يفتح طريقاً جديداً للتجارة الإقليمية

تتحرّك المملكة العربية السعودية بخطى متسارعة نحو إطلاق مشروع الربط البري بين الرياض ودمشق، في خطوة وُصفت بالتاريخية لما تحمله من أبعاد اقتصادية وجيوسياسية، تعيد إحياء خط الحجاز الشهير الذي كان في مطلع القرن الماضي شرياناً رئيسياً للحركة التجارية والثقافية بين الجزيرة العربية وبلاد الشام. ويأتي المشروع في إطار رؤية سعودية تسعى إلى تعزيز التكامل الإقليمي وتوسيع شبكة النقل البري بما يخدم أهداف التنمية والاستثمار في المنطقة.

 

المشروع الذي يُعيد وصل العواصم العربية عبر شبكة طرق حديثة، لا يقتصر على الجانب الرمزي فقط، بل يمثل نقطة تحول في بنية التجارة البرية في الشرق الأوسط. ويؤكد الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي أن فكرة الربط ليست جديدة، إذ سبق طرحها لمدّ شبكة طرق تربط تركيا شمالاً بدول الخليج جنوباً عبر سوريا والأردن، غير أن الظروف الحالية جعلت من المشروع أولوية استراتيجية. ويرى قضيماتي أن نجاح المشروع يتطلب تخطيطاً لوجستياً دقيقاً وتمويلاً كبيراً لضمان جهوزية الطرقات والممرات، متوقعاً بدء التشغيل خلال ما بين سنتين وأربع سنوات.

 

ويضيف أن المشروع سيُنفّذ على مراحل تشمل الدول التي سيمر عبرها، على أن يُصار لاحقاً إلى توسيعه ليشكّل ممراً يصل الخليج بأوروبا. ويشير إلى أن خط الحجاز قد يتحول إلى بديل استراتيجي في أوقات الأزمات البحرية، مستشهداً بتجربة جائحة كورونا التي عطّلت حركة النقل البحري وأبرزت الحاجة إلى مسارات بديلة.

 

من جهتها، ترى اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) أن تحسين شبكات النقل البري الإقليمية يمكن أن يخفض تكاليف التجارة بما يصل إلى 17 في المئة، ما ينعكس زيادةً في حجم التجارة البينية. وتشير البيانات إلى أن السعودية استثمرت نحو 6.4 مليار دولار في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، في مجالات البنية التحتية والاتصالات، وهو ما يعكس رغبة واضحة في ترسيخ شراكة اقتصادية متينة بين البلدين.

 

وفي السياق نفسه، أكد وزير التجارة التركي عمر بولات حرص أنقرة على إحياء طريق الشرق الأوسط التاريخي بالتنسيق مع دمشق وعمان، ليربط أوروبا بدول الخليج عبر مسار بري حديث. ويُنظر إلى المشروع كجزء من رؤية تركية – عربية مشتركة لتحويل الطريق التاريخي إلى ممر تجاري متكامل يختصر الوقت والكلفة في نقل البضائع ويعزز الترابط الإقليمي.

 

زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى السعودية جاءت لتكرّس هذا المسار، إذ وصفها الباحث الاقتصادي ملهم الجزماتي بأنها «زيارة مفصلية تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون العربي – السوري القائم على المشاريع التنموية لا على الشعارات السياسية». ويرى الجزماتي أن مشروع الربط البري يمثل مصلحة مشتركة للطرفين، كونه يعيد لسوريا دورها كمحور عبور تجاري يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وأوروبا، ويساهم في خفض كلفة النقل والوقت مقارنة بالمسارات البحرية.

 

ويشير الجزماتي إلى أن المشروع سيُنعش الاقتصاد السوري عبر رسوم العبور والضرائب الجمركية، ويوفر فرص عمل في مجالات النقل والصيانة والخدمات اللوجستية، كما سيحفّز الاستثمارات الخليجية في البنى التحتية والتمويل والتأمين. أما سياسياً، فهو يشكّل خطوة نحو إعادة دمج سوريا في المنظومة الاقتصادية الإقليمية، وإشارة انفتاح تدعم مسار عودتها إلى الخريطة الاستثمارية الدولية.

 

الجهود الثلاثية التي تبذلها سوريا وتركيا والأردن لإحياء خط الحجاز تُعطي المشروع زخماً إضافياً، بعد اجتماع وزراء النقل في عمّان في 20 تشرين الأول الجاري، حيث تم الاتفاق على استكمال الجزء المتبقي من الخط داخل الأراضي السورية بدعم تركي مباشر، وتكليف الأردن بدراسة الجوانب الفنية لتشغيل القاطرات حتى دمشق. كما نوقشت خطط لربط تركيا بالبحر الأحمر عبر ميناء العقبة، ما يجعل المشروع مكمّلاً للممرات الإقليمية ومنافساً محتملاً للممرات البحرية التقليدية.

 

وبينما تتحرّك العواصم الثلاث نحو تحويل طريق الحجاز من إرث تاريخي إلى مشروع اقتصادي معاصر، يبدو أن المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة من التكامل الجغرافي والاقتصادي، تعيد رسم خريطة التجارة والنقل بين الشرق والغرب على أسس من الشراكة والمصالح المشتركة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce