مقالات

لبنان يتمسّك بالتفاوض غير المباشر مع إسرائيل… وتباين داخلي حول الخطوة المقبلة

لبنان يتمسّك بالتفاوض غير المباشر مع إسرائيل… وتباين داخلي حول الخطوة المقبلة

تتزايد المؤشرات على ضغوط إسرائيلية تدفع باتجاه مفاوضات مباشرة مع لبنان، في ظل تمسّك بيروت برفض هذا الخيار، وإصرارها على حصر أي نقاشات ضمن إطار اللجنة الخماسية المكلّفة بمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، المعروفة بـ«الميكانيزم». وبينما يعتبر البعض أن المفاوضات المباشرة تمثل مساراً سياسياً واقعياً، يراها آخرون خطوة تمهّد للتطبيع المرفوض لبنانياً.

 

وبعد رفض إسرائيل مبادرة أميركية جديدة للتفاوض غير المباشر، يؤكد رئيس الحكومة نواف سلام أن الخيار الوحيد المتاح هو تفعيل «الميكانيزم»، مشدداً في تصريح لمجلة فرنسية على أنّ المطلوب اليوم هو التطبيق الكامل لاتفاق وقف النار، «لأن الإسرائيليين لم ينسحبوا بالكامل بعد».

 

مصدر نيابي كشف لـ«الشرق الأوسط» أن لبنان تلقّى خلال الأشهر الماضية عروضاً من جهات دولية للدخول في محادثات مباشرة مع إسرائيل، من دون تحديد ما إذا كانت تقنية أم سياسية. وأوضح أن «الجانب اللبناني رفض هذا الطرح بشكل قاطع، متمسكاً بصيغة التفاوض غير المباشر التي أثبتت فعاليتها سابقاً، كما في اتفاق ترسيم الحدود البحرية»، مؤكداً أن مسألة التطبيع «غير مطروحة إطلاقاً».

 

في المقابل، يرى بعض السياسيين أن لبنان لا يمكنه تجاهل فكرة التفاوض في مرحلة التحولات الإقليمية المتسارعة. ويقول النائب السابق فارس سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن مبدأ التفاوض بين لبنان وإسرائيل ليس جديداً، مشيراً إلى أن القرار 1701 الصادر عام 2006 نصّ بوضوح على ضرورة جلوس الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية برعاية الأمم المتحدة لحلّ القضايا العالقة. ويذكّر سعيد بأن الاجتماعات في الناقورة، برعاية الأمم المتحدة، تُعقد منذ عقود وتضمّ ضباطاً لبنانيين وإسرائيليين إلى جانب ممثلين فرنسيين وأميركيين، مضيفاً أن «لبنان فاوض إسرائيل لأول مرة عام 1949 خلال اتفاق الهدنة في رأس الناقورة، ومنذ ذلك الحين يُدار مسار تفاوضي غير مباشر بين الطرفين».

 

ويرى سعيد أن المتغيرات الأخيرة، من قمة شرم الشيخ إلى المواقف الأميركية الداعية إلى نزع سلاح «حماس»، تؤشر إلى دخول المنطقة مرحلة التسويات السياسية بدلاً من المواجهات العسكرية، معتبراً أن التفاوض مع إسرائيل بات أمراً واقعياً لا يمكن للبنان تجاهله، خصوصاً بعدما استهدفت إسرائيل البنى الاقتصادية والصناعية، ما يضع البلاد أمام تحديات وجودية.

 

وعن موقف «الثنائي الشيعي» من فكرة التفاوض، يوضح سعيد أن «حزب الله» و«حركة أمل» يبدوان كمن يرفضان شكلاً ويوافقان ضمناً، مشيراً إلى أن تجربة ترسيم الحدود البحرية عام 2021، التي شارك فيها اللواء عباس إبراهيم، برهنت على وجود تواصل غير مباشر بين شخصيات لبنانية وإسرائيلية برعاية أميركية. ويضيف أن «الخلاف اليوم يتمحور حول هوية الجهة التي تمثّل لبنان في أي مفاوضات: الدولة اللبنانية أم (حزب الله)؟»، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستفرض على الجميع حسم هذا الجدل بشجاعة ومسؤولية وطنية.

 

من جانبه، يوضح السفير اللبناني السابق لدى واشنطن رياض طبارة لـ«الشرق الأوسط» الفرق بين التفاوض والتطبيع، قائلاً إن الاعتراض اللبناني على المفاوضات المباشرة نابع من خشية أن تُفسّر تلك الخطوة كمدخل للتطبيع، في حين أن التفاوض، خصوصاً حين يتم برعاية دولية، هو وسيلة لإدارة النزاعات وحماية المصالح الوطنية من دون أن يعني اعترافاً سياسياً أو إقامة علاقات طبيعية. ويضيف أن لبنان خاض مفاوضات مماثلة في السابق، أبرزها ترسيم الحدود البحرية عام 2021، ويمكن البناء على تلك التجربة لمعالجة ملفات أخرى ضمن أطر تحافظ على الثوابت الوطنية.

 

ويستعيد طبارة تجربة تفاهم مارس (آذار) 1996 التي أنشأت لجنة خماسية ضمّت لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وسوريا، وتولت مراقبة وقف إطلاق النار وتسوية النزاعات الميدانية، مؤكداً أن تلك التجربة أثبتت إمكانية التفاوض دون أن يعني ذلك تطبيعاً، وهو النهج الذي يسعى لبنان إلى تكريسه اليوم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce