مقالات

من غزّة إلى الليطاني: ملامح النظام المشرقي الجديد بين هدنةٍ هشةٍ وتوازناتٍ مضطربة

من غزّة إلى الليطاني: ملامح النظام المشرقي الجديد بين هدنةٍ هشةٍ وتوازناتٍ مضطربة

يتّضح أنّ المشرق يعيش مرحلة إعادة تشكيل عميقة لمعادلات النفوذ، تمتدّ من غزة المدمّرة إلى ضفاف الليطاني. فبينما يُروّج الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لهدنة غزة كإنجازٍ تاريخيٍّ يضع حدًّا لثلاثة آلاف عام من الصراع، يسير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بخطى محسوبة، موظفًا الميدان المشرقي كورقة تفاوضية على أبواب أوروبا وفي سياق إعادة رسم ملامح النظام العالمي الجديد. ووسط هذه التحولات، يقف لبنان عند حدود الجنوب، بين ضغوط نزع السلاح ومخاوف المسّ بالسيادة، في اختبارٍ جديدٍ للتوازن بين واشنطن وموسكو… وبين الحرب والسلام.

 

ترامب، الذي يتقن فنّ صناعة الصورة أكثر من بناء السلام، قدّم اتفاق وقف إطلاق النار في غزة كحدثٍ استثنائيٍّ في التاريخ المعاصر. هدنةٌ هشّة لم تخرج عن كونها وقفًا مؤقتًا للنار، وقعها مع زعماء مصر وتركيا وقطر، لكنها أتاحت له الظهور بمظهر صانع السلام العالمي، في حين تجاوز عدد ضحايا الحرب أكثر من سبعين ألف شهيد ومئتي ألف جريح. ومع ذلك، يرى مقربون من إدارته أن التفاخر في محله، إذ إن نجاحه في تثبيت الهدنة قد يعيد فتح الطريق أمامه نحو جائزة نوبل للسلام، خصوصًا إذا استطاع التوصل إلى تسويةٍ مشابهة في الحرب الأوكرانية.

 

في المقابل، تبدو موسكو حذرة في خطواتها. فبحسب خبيرٍ روسيٍّ مطّلع، تسعى روسيا إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا بأسرع وقت، وتحرص على إبقاء وتيرة القتال منخفضة بانتظار ما ستسفر عنه اتصالات بوتين – ترامب. وقد نقلت موسكو رسائل تهدئة بين تل أبيب وطهران، وأيّدت في مجلس الأمن مقاربة نزع سلاح حزب الله، بالتوازي مع دعمها خطة واشنطن لوقف حرب غزة. وبهذا، تحوّل بوتين إلى شريكٍ ضروريٍّ لترامب، كما أنّ الأخير بات حاجةً لروسيا في مواجهة الغرب.

 

أما لبنان، فيجد نفسه جزءًا من هذه المعادلة الجديدة. فروسيا، التي دعمت جهود الهدنة، تنظر إلى ضبط الجبهة الجنوبية كعنصرٍ يخدم مصالحها في أوروبا، إذ إن أي تهدئةٍ في المشرق تمنحها أوراقًا إضافية في مفاوضاتها مع الغرب. وتشير تقارير دبلوماسية إلى أنّ مرحلةً جدّية بدأت نحو حصر سلاح حزب الله جنوب الليطاني، في ظل تعاونٍ أمنيٍّ دوليٍّ متزايد. ومع أنّ الحزب يُظهر استعدادًا للالتزام بالقرار 1701، إلا أنّه يرفض أيّ بحثٍ في سلاحه خارج المنطقة الجنوبية، ما يبقي جوهر الأزمة بلا حلّ.

 

على الأرض، تبرز معضلة مستقبل قوات “اليونيفيل”، التي يُفترض أن ينتهي تفويضها نهاية عام 2026، مع اتجاهٍ لتقليص عديدها بنسبة 25 في المئة. هذه الخطوة، التي تُبرّر بضرورات التمويل، تثير مخاوف من أن تتحوّل إلى غطاءٍ لتسهيل السيطرة الإسرائيلية عن بُعد عبر منظومات المراقبة الجوية والإلكترونية. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، يتزايد التقدير بأن تل أبيب ستستخدم الساحة اللبنانية مجددًا لتغذية خطابها الانتخابي، عبر تنفيذ ضرباتٍ محدودةٍ في الجنوب.

 

وفي ظل هذا المشهد المعلّق، يبدو الجنوب اللبناني مقبلًا على مرحلة “تعايشٍ حذر” لا تسويةٍ نهائية. فإسرائيل لن تتخلّى عن تفوّقها الميداني، فيما يرفض حزب الله تقديم أي تنازلٍ يُضعف موقعه. وهكذا، يُرجَّح أن يبقى الوضع على حاله حتى ما بعد عام 2026، حين تُعاد صياغة حدود الدور الدولي والوطني في الجنوب، وسط توازنٍ هشٍّ بين السلاح والسيادة.

 

تتشابه غزة ولبنان اليوم في موقعهما داخل معادلة “السلام الرمادي”، حيث تُدار الصراعات بدل أن تُحلّ. فالولايات المتحدة ترى في استقرار الجنوب خطوةً أساسية نحو “المشرق الجديد”، وتعتبر أنّ تسوية النزاعات في لبنان وسوريا شرطٌ لنجاح مشروعها الإقليميّ القائم على التعاون الاقتصادي والأمني بإشرافٍ دوليٍّ تدريجي. غير أنّ هذا التصوّر يصطدم بواقع الميدان، إذ لا تزال إسرائيل تعتمد منطق الردع المسبق، فيما يرى حزب الله أنّ أي تسويةٍ على حساب سلاحه هي تنازلٌ عن جوهر دوره.

 

وهكذا يبقى لبنان، كما غزة، في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام، حيث تُقاس شرعية الدول لا بقدرتها على فرض سلطتها، بل بقدرتها على تأجيل الانفجار التالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce