مقالات

من زمن الهيمنة إلى زمن التفاوض: العلاقة السورية–اللبنانية تبحث عن توازن جديد

من زمن الهيمنة إلى زمن التفاوض: العلاقة السورية–اللبنانية تبحث عن توازن جديد

منذ تأسيس الكيان اللبناني الحديث، ظلّ موقع لبنان في الحسابات السورية متأرجحًا بين النظرة إليه كـ”غلطة تاريخية” وكـ”خاصرة رخوة” ينبغي ضبطها. هذا التصوّر رافق السياسة السورية لعقود، خصوصاً بعد أن أصبحت قرارات دمشق نتاجاً لانقلابات عسكرية جعلت التعامل مع لبنان يخضع لمنطق الوصاية لا الندية. ومع وصول الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، ترسخت معادلة جديدة عنوانها أن “الرئيس اللبناني الجيد هو من يخدم الأجندة السورية ويمنحها أوراق نفوذ إقليمية”.

 

من هذا المنطلق، تحوّل لبنان في نظر دمشق إلى ورقة إقليمية بامتياز. تعامل الأسد الأب مع الرؤساء اللبنانيين انطلاقًا من مدى توافقهم مع مصالح سوريا، فحظي المتعاونون بالدعم، فيما واجه المستقلون ضغوطاً سياسية وأمنية. كانت تجربة أمين الجميّل مثالاً صارخاً على التوتر، بينما مثّل عهد إلياس الهراوي نموذجاً لتنسيقٍ أكثر سلاسة مكّن دمشق من إحكام سيطرتها عبر مؤسسات الدولة اللبنانية. ومع إميل لحود بلغت الوصاية ذروتها، حيث بات القرار السياسي والأمني في بيروت يمر حكماً عبر القنوات السورية.

 

التمديد للحود عام 2004 كان لحظة مفصلية أظهرت عمق التدخل السوري، كما عكست التوتر المتصاعد بين رفيق الحريري وبشار الأسد. وحسب روايات متعددة، فإن لقاءهما الأخير شهد تهديداً مباشراً للأسد بإحراق بيروت إذا عارض التمديد، ما مهّد لاحقاً لمسار سياسي انتهى بخروج القوات السورية من لبنان بعد اغتيال الحريري عام 2005.

 

ومع انتخاب ميشال سليمان عام 2008، حاول البلدان الانتقال من مرحلة النفوذ الأمني إلى علاقة دبلوماسية رسمية، فجرى تبادل السفراء وفتح السفارات، خطوة اعتُبرت تصحيحاً جزئياً لمسار العلاقة. غير أن التحفظات الشعبية والذاكرة الثقيلة أبقت الحذر قائماً. لاحقاً، أعاد ميشال عون إحياء التحالف السياسي مع دمشق في إطار ما سُمّي “تحالف الأقليات”، متجاوزاً إرث الخصومة التاريخية مع النظام السوري.

 

ومع سقوط نظام الأسد وظهور قيادة انتقالية جديدة، دخلت العلاقة السورية–اللبنانية مرحلة مختلفة. تفكك البنية المركزية للحكم في دمشق أعاد خلط الأوراق في المشرق، فبرزت مبادرات سعودية وخليجية لضبط الإيقاع الإقليمي وفتح قنوات حوار تقنية بين بيروت ودمشق تشمل ملفات الحدود والمعابر والنازحين والمفقودين. في هذا الإطار، يسعى الرئيس اللبناني جوزاف عون لتأسيس مقاربة تفاوضية جديدة، بينما يمثّل أحمد الشرع في دمشق نموذج القيادة السورية البراغماتية الساعية إلى الحلول الإدارية لا الهيمنة الشاملة.

 

التنسيق الراهن يبدو أكثر سلاسة من الماضي، لكنه لا يخلو من الهواجس. فبين من يرى في لبنان شريكاً سيادياً، ومن لا يزال يعتبره “محافظة سورية”، تظل الذاكرة التاريخية حاضرة. ومع ذلك، فإن التسوية الإقليمية الجارية برعاية خليجية، والاجتماعات التي استضافتها جدة، تعطي أملاً ببناء علاقة أكثر توازناً وندية، خصوصاً مع إسناد ملف العلاقات الثنائية إلى الوزير طارق متري الذي يُعرف بقدرته على الحوار وإيجاد الحلول الوسط.

 

يبقى نجاح هذه المرحلة مرهوناً بثلاثة شروط مترابطة: أولها مأسسة التفاوض عبر لجان قانونية وتقنية تعالج القضايا الخلافية؛ ثانيها توفير ضمان إقليمي متوازن يضمن عدالة التفاهمات؛ وثالثها حفظ الذاكرة الوطنية عبر معالجة ملفات الماضي بشفافية وعدالة. فالعلاقة السورية–اللبنانية، بعد قرن من التجاذب، تقف اليوم أمام فرصة نادرة لتتحول من علاقة وصاية إلى علاقة ندّية، ومن زمن الهيمنة إلى زمن التفاوض.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce