مقالات

زيارة الشرع إلى موسكو… براغماتية دمشق في مواجهة إرث الحرب

زيارة الشرع إلى موسكو… براغماتية دمشق في مواجهة إرث الحرب

تشكل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو ولقاؤه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محطة دبلوماسية بارزة في مسار الانفتاح الذي تشهده دمشق منذ توليه السلطة قبل نحو عشرة أشهر، وتأتي بعد لقاء جمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض بترتيب سعودي ومشاركة تركية عبر تقنية الفيديو، ما يعكس التحولات المتسارعة في موقع سوريا السياسي بعد سنوات العزلة.

 

تأتي الخطوة الجديدة في سياق سلسلة تحركات خارجية بدأها الشرع من العواصم العربية الأساسية، كالسعودية وقطر والإمارات، ثم تركيا وفرنسا، وصولاً إلى روسيا، في محاولة لإعادة تموضع سوريا على الخارطة الإقليمية والدولية. غير أن التقارب مع موسكو لم يكن متوقعاً بهذه السرعة، في ظل إرث ثقيل يربط روسيا بالنظام السابق، الذي دعّمته عسكرياً منذ العام 2015 وتورطت قواتها في حرب أوقعت مئات الآلاف من الضحايا ودمار واسع في البنية السورية.

 

ورغم أن زيارة الموفد الروسي ميخائيل بوغدانوف إلى دمشق مطلع العام الحالي فُسرت حينها على أنها رسالة ضغط على القيادة الجديدة، فإن استقبال موسكو لاحقاً لوزير الخارجية أسعد الشيباني كشف عن تحول في الموقف الروسي ورغبة في فتح صفحة جديدة مع دمشق. وقد التقط الشرع هذه الإشارة بمرونة سياسية لافتة، واضعاً المصالح المستقبلية فوق حسابات الماضي.

 

المكاسب التي حصدتها دمشق من الانفتاح الروسي تمثلت أولاً في ضمان عدم تدخل موسكو في شؤونها الداخلية، ما أدى إلى عزل رموز النظام السابق المقيمين في روسيا وإفشال محاولاتهم للتأثير على الداخل السوري. وثانياً، جاء تأكيد روسيا على دعم وحدة الأراضي السورية، رسالة مباشرة إلى إسرائيل وإلى القوى الانفصالية، وفي مقدمتها «قوات سوريا الديمقراطية»، التي كانت تراهن على دعم روسي لمشاريعها الفيدرالية.

 

أما المكسب الثالث، فيكمن في تعطيل أي تفاهمات محتملة بين موسكو وطهران ضد السلطة الجديدة في دمشق، بعدما جمع بين العاصمتين تحالف طويل الأمد لدعم نظام الأسد خلال الحرب.

 

بذلك، تبدو إعادة ترميم العلاقات السورية الروسية خطوة ضرورية في هذه المرحلة الدقيقة، حيث تحاول دمشق إعادة ترتيب أوضاعها السياسية والعسكرية والاقتصادية في ظل استمرار الوجود الروسي الواسع على أراضيها.

 

غير أن النجاحات الدبلوماسية لن تكتمل ما لم تُترجم بإصلاحات داخلية فعلية تعالج تداعيات الحرب وتعيد بناء الثقة بين السوريين، عبر برامج للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، تمهيداً لانطلاق مرحلة جديدة تضع البلاد على طريق التعافي والاستقرار.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce